انقطاعات مريبة للتيار الكهربائي : تونس تغرق في الظلام والظلم والظلمات

 

تشهد بلادنا العزيزة تونس انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي فاقت المنطق والمعقول حتى أن النور يغيب أكثر من نصف اليوم أحيانا، فإن لم يكن كذلك فثلثه أو انقص منه أو زد عليه قليلا.. وتبرر الشركة التونسية للكهرباء والغاز ذلك بضعف الشبكة وقلة الموارد وبالتالي فهي مضطرة حسب قولها للقطع الدوري من منطقة إلى أخرى بالتداول حتى لا تنهار الشبكة التي لا تتحمل ضغط الاستهلاك.. ولكن هذا البلاغ العلمي يصطدم بحقائق مرّة على أرض الواقع قد تفنّده وتناقضه.. فالمتأمل في أوقات القطع لا يجدها أوقات ذروة استهلاكية فتوقف الكهرباء على الساعة الثالثة فجرا أو السابعة صباحا يُسقط مبررات هذه الشركة التي نريدها دائما ناجحة، ثم إن هناك قطعا على عديد المناطق في نفس الوقت وليس دوريا من منطقة إلى أخرى فأحيانا نجد أحياء ومعتمديات حتى لا نقول مدينة كاملة تغرق في الظلام دون حكاية التداول التي لم نتأكد منها وهو ما يشكل تناقضات غريبة إذ كيف نجد أحيانا مدينة كاملة في العتمة وأحيانا أخرى مناطق أقل حظا دون أخرى مع أن الشبكة هي نفسها والاستهلاك هو نفسه تقريبا من يوم إلى يوم.. بل إننا نستغرب في هذه الحالة من أيام اشتد فيها الحر وعملت فيها الإدارات ولم ينقطع الكهرباء مقابل أيام أخرى عطلة مثل عيد الجمهورية أو المولد النبوي أو أيام الآحاد حُرمنا منها الضوء لساعات وساعات... فهل هناك توزيع عادل للقطع بين منطقة وأخرى تخص المواطنين العاديين فضلا عن معرفتنا بالمناطق المفضلة سلفا وهي مقرات السيادة والنزل والمهرجانات والناس العاديون المحظوظون بمجرد أنهم يسكنون بجوارهم ؟ ولا تكمن المشكلة فقط في الانقطاع بل في الطريقة، فلو كان هناك توزيع واضح للظلام لحاولنا الفهم، أما أن ينقطع الكهرباء ساعتين ثم يعود 40 دق ثم يعود الانقطاع لأكثر من ساعتين ويتكرر القطع أكثر من 4 مرات في اليوم الواحد وأحيانا يكون التوقف نصف ساعة وأخرى 10 دق فضلا عن التوقفات الطويلة المذكورة سلفا فهذا يعني غيابا للمنطق وربما نقرأ سوء نية ليس من الشركة ككل لكن من بعض الأطراف التي سنبقى نخمّن و"نتكّز" دون معرفتهم.. لا شك أن هناك تقصيرا في توسيع الشبكة وتعصيرها بما يتماشى مع الاستهلاك المتزايد من سنة لأخرى لكن طريقة القطع لا نشعر أنها فنية وكأنها تلاعب بأعصاب المواطن وتنكيل به.. فلماذا تعيد لي الكهرباء 10 دق أو حتى ساعة لتقطعه عليّ مرة أخرى ؟ ولماذا لا يكون هناك قطع يومي موزع بين المناطق فيعلم المواطن سلفا أن التيار الكهربائي سينقطع عنه 6 ساعات متتالية مثلا وذلك أرحم له من هذه الطريقة العشوائية المريبة التي لم تترك للعلم ولا للمنطق مكانا.. وحتى لو كانت عن حسن نية فالأولى القطع الاحتياطي حسب دراسات مسبقة تقريبية على "حسب الظروف" فكأن من يقطع -لو افترضنا حسن نيته- يعيد الكهرباء وقتا ثم يندم ويلاحظ أنه لا يمكنه ذلك فيقطعه من جديد ثم يلاحظ نوعا من التحسن فيعيده لكنه يصطدم بمشكلة تجعله يحجب النور مرة أخرى ! لا نريد أن نحس أنها لعبة -ولو عن حسن نية- وكأننا في مرقص ليلي نجعل فيه الأجواء غير عادية بالأضواء التنشيطية التي تشتعل وتنطفئ وتتحرك في كل الاتجاهات حتى يسكر الحاضرون ويتراقصوا على هذه الحركات الفوضوية لأنوار العلب الليلية.. ثم لو حصل الخلل يوما، لماذا يتكرر بعدها أسابيع ثم يتحسن الوضع ولا ينقطع الكهرباء أياما ثم نعود لنتردى في نفس الفوضى الأولى والأمر لا يرتبط دائما بارتفاع درجات الحرارة ولا بكثافة الاستهلاك وهو ما يقرّه كل مواطن بل حتى الرئيس قيس سعيّد نفسه قال إنها انقطاعات غير بريئة.. فمن وراءها ؟ فلو كانوا مسؤولين فعلى السلطة المحاسبة وإيقاف النزيف وعدم ترك العبث يتواصل ويتفاقم، أما إن كانوا من المعارضة والمتآمرين، فالسلطة أيضا تتصدى لهم.. فأيا كان السبب، يجب التوضيح والطمأنة والإحساس أن هناك تقدما في هذا الصدد، لكن الغموض هو الذي يقتل.. وما يقتل أفضل مما يعذّب وما يعيشه التونسي هنا هو عذاب نفسي، إذ إنه يعيش مثل السجين الذي يُترك أمام حنفية تقطر قطرة قطرة حتى يصبح ذلك الإيقاع مثيرا للجنون منتظرا دائما القطرة الموالية التي قد تأتي متأخرة وقد لا تأتي أحيانا.. فنحن ننتظر كل لحظة قطع الكهرباء، حتى إذا ما انقطع نتفاجأ ولا نعلم متى سيعود، وإذا عاد نُهرع إلى أعمالنا الطارئة التي قد تكون غسل ثياب أو تعبئة مياه أو وضع مواد في الثلاجة أو عملا في حاسوب قد يضيع منا فضلا عن الترفيه البدائي الذي عاشه أجدادنا أفضل منا مثل مشاهدة التلفاز أو شيء من الانترنت التي تنقطع أحيانا كثيرة مع الكهرباء وهي تعمل به فإن كانت هناك وسائل أخرى فهي أيضا غير ذات جدوى أو ضعيفة التدفق في أحسن الحالات.. 

وهنا نختصر المسألة في معطى خطير وهو التلاعب بأعصاب المواطن -حتى عن غير قصد- فهو لا يعلم إن كان سيكمل مباراة كرة قدم أو مسلسلا أو حتى برنامج غسل ثياب أو حلاقة شعر أو عملا هاما في الحاسوب وكذلك يحصل لنا الآن مباشرة ونحن نكتب هذا المقال، إذ انقطع عنا الكهرباء أثناء التحرير ونحن نكمل مهامنا بصعوبة حاليا.. بل لا يعلم أيكمل عشاءه بطريقة عادية أم في الظلام وهل سيكمل صلاته ويتمكن من أدائها جماعة في أوقات حرجة أمنيا عند الفجر وحتى في الأوقات الأخرى.. وقد تكون مصادفة، لكن أحيانا كان يغيب الضوء قبل أوقات الصلاة بدقائق ويعود بعدها مباشرة في الانقطاعات القصيرة.. ولن يستطيع الشخص الهروب من العتمة حتى بمطالعة كتاب أو بسهرة رومنطيقية على ضوء الشموع وحتى لو خرج إلى مكان ترفيهي سيصطدم بالظلام في قصص حقيقية رُويت لنا أكثر من مرة، وكم هي الحياة معكم مُرّة ! يُضاف إلى ذلك الخطر الأمني مع وجود مؤسسات وشوارع غارقة في الظلام في مشهد لا يوحي ببهجة الحياة في بلد سياحي يُفترض أنه في طور النمو..
إننا في كل هذا نريد أن نحس أن القطع لأسباب فنية منطقية وأن هناك اجتهادا وسعيا للعدل والتنظيم لا للّخبطة والرعوانية.. لأن التونسي بهذه الأساليب قد يفقد أعصابه وطبعا شغفه وتنظيم وقته ويفسد أعماله وواجباته وقضاء شؤونه في الإدارات والمحلات والترفيه.. وهنا نتحدث عن شتات وفقدان تركيز وجمود وإرهاق وعذاب وغياب رؤية واضحة حتى لساعة أو ساعتين فضلا عن يوم أو أيام لبرمجة صحيحة بعيدا عن التخبط والغموض.. 

إن انطفاء النور المتواصل في تونس هو في حقيقته انطفاء لنور الأمل إلا قليلا في قلوب الناس وقتل لأحلامهم وآمالهم وتعطيل لأعمالهم وتشتيت لطاقاتهم.. إنه ليس انطفاءً لنور الكهرباء فقط، بل هو انطفاء نعيشه منذ سنوات لنور العلم والأخلاق والشخصية المتوازنة الفاعلة النشطة المحبة لنفسها وللحياة وللناس.. إنه محاولة للذهاب بعقول الناس وقلوبهم وجعلها قلقة مضطربة لا تستطيع المبادرة ولا الذهاب بعيدا ولكن ذلك يُنفّذ بأبشع طريقة لأنها تعتمد على إعادة الأمل من حين لآخر ثم نزعه بعد ذلك.. إذا أهملنا العلم والأخلاق والحكمة وحسن التصرف والتدبير والحياة العادية المطمئنة، فلا تنتظروا إنتاجا ولا محبة ولا تقدما لأنه تحطيم للإرادات والنفسيات وهذا ما يحصل في بلادنا العزيزة التي أفسدها كثير من عبادها الظلمة الخونة وعانت من غياب المحاسبة والشفافية والأمر هنا على العموم ولا يخص الستاغ لأن ظلامها ليس إلا حلقة من ظلام وظلمات أشد بدءا بالتعليم من مسؤولين عديمي الفهم والشرف نكلوا بكل مجتهد مرورا بالصحة والإعلام والاقتصاد والقضاء والفلاحة والصناعة والسياحة والمسائل الاجتماعية وصولا إلى الفنون والثقافة والرياضة التي تصنع شخصيات جميلة تفيد المجتمع.. ما يحصل في بلدنا منذ عشرات السنين هو ببساطة ظُلم وظلمات بعضها فوق بعض وكلنا مسؤولون عن ذلك دون استثناء الراعي والرعية التي قد تكون أحيانا كثيرة ضحية لتقاعس مسؤولين خانوا الأمانة ويقولون ما لا يفعلون.. فكل واحد يصلح قليلا من نفسه بما في ذلك المواطنون ويحاول كل مسؤول أن يخاف الله قليلا ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.    

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة