حبيّبة رمضانة.. جارة الأجداد المناضلة


عندما أتذكّر دار جدّيّ العزيزين مختار مقديش وخدّوجة البرشاني، لا يمكن لي إلا أن أتذكّر معهما أقرب الجيران إليهما وأكثرهم وفاء حبيبة بن رمضان التي يحلو لنا أن نناديها "حبيّبة رمضانة".. 

امرأة مناضلة توفّي زوجها منذ زمن بعيد.. عجوز كادحة لا تتوقف عن السعي والعمل.. تأتي باستمرار وأحيانا كل صباح لتتفقّد جدّيّ حتى دون أن يطلبا ذلك.. ورغم كبر سنّها، تشقّ حقل الجد الأكبر الصادق مقديش ثم تتسلّق ما بين الجدار والطابية المؤدِّيَيْن إلى منزل جدّي، فما إن تتجاوز الحاجز حتى تبدأ بالاعتناء بالمزروعات "المطاير" من سلق ومعدنوس وفول وحمص وجلبان وبسباس ونعناع وغيرها... فأحيانا نتفاجأ بها تسقيها أو تعزقها ونحن لم نعلم بمجيئها، وهي لم تبلغ الدار بعد.. ومن كثرة تردّدها على جدّيّ وُجد ما يسمّى "بالمسرب" وهو شبه طريق خطّت من آثار أقدامها.. كانت تمشي منحنية من كثرة الأعمال، وكانت تمسك بعرجون تتّكئ عليه وتنظّف به أوساخ الطريق وقد تدافع به عن نفسها إن اعترضها كلب أو بعوض أو غير ذلك من الأخطار التي لم تكن موجودة مثل الآن فالكلاب مربّاة أليفة والناس آمنة لطيفة.. 

عرفنا حبيّبة في كل الفصول وفي كل الأعمال.. فهي التي تصفّي أو "تلقّي" الشعير والدرع والفلفل الأسود وهي التي تصنع العولة من زمّيط ودرع وكسكس ومحمّص وهي التي تنشر التين المجفف "الشّريح" والقدّيد، وهي التي تغسل وتملّح ثم تقصّ جلد الكبش لتصنع منه صوفا، وهي التي تغسل الثياب، وهي التي تنظف وتقوم بعديد الأعمال المنزلية.. وهي التي تملك آلة خياطة كانت تعمل بها، وهي التي تساعد في جني الزيتون، وهي التي تقطف حبّات الزّهر وتساهم في تقطيره وكذلك تفعل مع الإكليل والعطرشية.. وهي التي أعرفها كثيرا في موسم تقشير اللوز الذي قد يمتدّ إلى شهرين.. فهي التي تقشّر بلا كلل أو ملل وتعمل بجدّ أكثر من صغار السن ثم تنشر المقشَّر على السطح لتكسّره لاحقا وتستخرج منه الحبّات الطرية اللذيذة.. كانت أيام صيفها طويلة، تبدأ من الخامسة فجرا بجمع حبّات الفل والياسمين وصنع مشاميم منها ليبيعها أحفادها في الطرقات مساء.. وبين الصباح والمساء، يكون موسم اللوز حيث تعمل مع العاملين على تقشير أكبر كمية ممكنة حتى يكون كيلها وفيرا وأجرها كبيرا.. منها تعلّمتُ بعض القواعد لقطف الياسمين وصنع المشموم إذ كانت تقنعني أنه بإمكاني نزع الكأس الأخضر تحت الحبّات لأن الشجرة ستعوضه لاحقا، فقد كنتُ أكتفي بقطف الجزء العلوي فوق الأخضر متخوفا من عدم قدرة الشجرة على ولادة غلاف جديد بسرعة.. وكانت تُفْهِمُني أن المشموم يبدأ قليلا من الأسفل ويعلو أكثر فأكثر كلما كبرت الدائرة ولهذا يجب أن تكون الحبات المقطوفة طويلة بحساب غلافها الأخضر.. كانت تصنع مشاميم لجدي وحتى للصغار، ومنذ ذلك الوقت وأنا أحافظ بأكبر انتظام ممكن على هذه العادة والصنعة التي تتطلب إتقانا وصبرا ومحبة..
    
لم تكن عاملة جادّة فقط، بل كانت مؤنسة ممتعة مسلّية عبر قصصها وأحاجيها وألغازها.. قصص طريفة بعضها عالمية وأخرى من التراث أو من واقعها وما عاشته من أحداث أو طرائف... فقد تحكي لك أكثر من فائدة وأكثر من ذكرى أثناء ساعة من جمع الزهر.. كانت تزورنا أحيانا في منزلنا، ومرة باتت عندنا وحصلت طرفة إذ كانت تلعب معنا الورق وهي غير عالمة تماما بقانون اللعبة فلما بقي لها ورقتان من صنف "الرّيّ" قالت لأمي : "أنا لدي اثنان فلنقتسمهما، خذي أنتِ الرجل الصغير وأنا آخذ الكبير !".. فضحكنا كلنا وقالت لها والدتي : "لا من يبقى لديه الرّيّ هو الخاسر فلا يقسم هزيمته مع أحد !".. كانت تضحكنا وتمتعنا بتصرفاتها العفوية وكلامها وأحيانا تنسى نفسها فتكمل فطورها متأخرة لأنها منشغلة في إكمال قصة ما ! وأبدا ما أنسى أنها زارتنا مرة لمباركتي على نجاحي في امتحان السادسة ابتدائي وأهدتني بكرمها ورقة 5 دنانير ملفوفة بحرص وعناية وكان ذلك مبلغا محترما جدا في ذلك الزمن حتى أنها قد تعمل أكثر من يوم للحصول عليه.. لم تكن تشتكي من صحتها ولا من عوزها ولا من ظروفها القاسية.. لم تكن طمّاعة ولم تكن تطلب شيئا، لكنّ جدّيّ يكرمانها بمال أو بعض العولة والزيت والطعام الجيد من نفس ما يأكله أبناء الدار.. كانت تأكل بطاقم أسنان وكنتُ أتخيل كم كان الأمر صعبا عليها.. تحبّ بصدق ووفاء، تتحدث بأسلوب مشوق ويحبها كل من يعرفها، تعلّمك وتمتعك.. تصلّي بنيّتها وقد تخطئ في تحديد القبلة وقد تتكلم مع أحد لاإراديا أثناء صلاتها.. لم نكن حتى نحسّ أنها تصلّي لأنها لم تكن مرائية ولا متظاهرة ولا متشددة في الوقت والطريقة والأداء لكن صدقها يسبقها.. وهكذا كانت في كل الأعمال.. قد يتحول كلامها إلى ثرثرة أحيانا فيحاول جدّاي إسكاتها قليلا فلا تغضب بل تعود وتتكلم أكثر فأكثر ! قد لا نفهم كل كلامها لكننا نحب أن نسمع منها وخاصة نرى فنها وعملها.. 

لم أرها تتخاصم مع أحد.. وكانت خفيفة الظل كما يشهد بذلك من عاشرها.. وكذلك تُوُفّيت خفيفة دون مرض ودون ضجّة بل كانت تسأل عن كبش العيد قبل شهر من موتها وتتحدث بلطف مع من تراه كعادتها.. حزنتُ كثيرا أنا ومن يعرفها لوفاتها في بداية 2007 تزامنا مع إعدام الرئيس الشهيد صدّام حسين والتقاعد الصادم الأليم لأحب الإذاعيين إلى قلبي زهير بن صالح.. وبعدها بشهرين ماتت جدتي خدوجة فكأنها لحقت بها لترابط الصلة بينهما وكأنهما لم يريدا أن ينتظرا قليلا حتى يشهدا حصولي على البكالوريا في موسم حزين قاس عليّ.. 

هذا غيض من فيض من خصال الكادحة حبيّية رمضانة التي لم أعاشرها ولم أعاشر زمن الأجداد والحياة التقليدية الكلاسيكية الراضية البسيطة إلا قليلا.. لأن كل ذكرياتي التي أحكيها عن هذه العادات عشتُها خلال عقدي الأول بل لم أعشها فعليا إلا 4 أو 5 سنوات ! فليت الزمن أمهلنا أكثر لنتعرف على هذه النوعية الجميلة من الحياة ومن الناس الذين نفتقدهم اليوم ونفتقد زمنهم الصادق البسيط الجميل.. زمن النية والأخلاق الحسنة والعلم الصحيح بعيدا عن السفسطة واستعراض العضلات في المعارف العادية.. ولو لحق أجدادنا ومنهم حبيّبة رمضانة زمن وسائل التواصل الاجتماعي لكانت حكاياتهم أجمل وأبلغ بكثير مما نسمع الآن من أشباه المثقفين ! رحم الله أجدادنا الطيبين الذين برحيلهم بدأت ترحل أشياء مفرحة لطيفة فقد رحلت معهم الطمأنينة والبركة إلا قليلا.. أعاننا الله على العيش بمبادئهم حتى نلتحق بهم سريعا في غير ضرّاء مُضِرَّة ولا فتن مُضلّة !  

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة