محمّد الكرّاي... الجار الطيب النقي


جارنا محمّد الكرّاي ليس كأي جار ولا كأي رجل صادفتُه في حياتي.. إنه شخص مميّز.. بماذا ؟ بطيبته، بوفائه، باستمراره معي على نفس النهج أكثر من 30 سنة حتى توفّاه الله فكان موته واحدة من أكبر صدمات حياتي.. شخص نقي pur وما أقل هذه النوعية في أيامنا هذه.. ولي صالح لا يتكلم كثيرا، لا يجادل، لا يخاصم، لا يصرخ، لا يجرح، لا يبحث عن المشاكل، لا يشتكي، فإن فعل ذلك فبكلمات سريعة مختصرة مقتضبة.. الطيبة والنقاء هما الصفتان اللتان أبحث عنهما في كل الأشخاص، ولعمري إن من أجدهم بهاتين الخصلتين يعدّون على أصابع اليد الواحدة.. ربما يكون أكثر من أحبّني في حياتي بعد أمّي.. الثابت أنه أكثر رجل صدق معي، وأخلص لي، وسأل عني، دون تراجع أو تراخ.. ظل في تعامله معي ثابتا مستقرا و"أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ" (مسلم واللفظ له، والبخاري).. كان الوحيد الذي يبادر إلى السؤال عني دون أن أطلب منه شيئا.. يتذكرني من حين لآخر.. يدعو لي بالغيب.. لم يقل لي كلاما كثيرا جميلا.. ولكنني أحسّ بمحبته من بعيد.. وكذلك لم أقل له حديثا طيبا كثيرا ولم أشتك له إلا قليلا.. ولكنه أيضا كان يحسّ بي وبمحبتي.. لأن الصدق لم يكن يحتاج إلى الكلام بل يُحسّ ويُستشعر من قلب نقي إلى قلب مثله.. كان يريد سعادتي ولكنه لم يرها أبدا.. كما لم يكن هو نفسه سعيدا... لكنه أسعد منا بشيء واحد.. بهدوئه وثبات حياته وإن عاش بعض المشاكل.. حياته على وتيرة واحدة ربما رتيبة لكنها مستقرة ومرضيّة.. من البيت إلى العمل إلى قضاء شؤون المنزل إلى الجامع.. وأحيانا يزور بعض أبنائه في ولايات أخرى.. هو مؤذن ومقرئ ويؤم الناس في صلاتهم حين يغيب الإمام.. لكنني أخيّر أن أصفه رجلا صالحا أو جارا طيبا.. لأنني أحب فيه حسن معاملته وصفاء مشاعره.. أما الصفات الأخرى فهي رسميات لم أكن أحس بها معه.. بل إنه لم يلبس شاشية ولا جبّة ولم تكن لديه لحية ولم يكن كلامه رسميا منمّقا.. ربما ينصح لكنه لم يكن يعظ أو يقسو أو يزجر أو يتدخّل في ما لا يعنيه.. بل لم يكن يتكلم بالدين والآيات والأحاديث والفتاوى، غير أن كل تصرفاته كانت دينا مستقيما حنيفا لم تشوهه الأهواء الشخصية والنزعات التسلطية كما نجد عند كثير من الشيوخ.. أنا متأكد أنه زار المسجد الحرام بقلبه وإن لم يحجّ أو يعتمر طيلة حياته، كذلك كان يصلي صلواته بطريقة عادية دون أن تحسّ به.. ولكن أكثر شيء كان يميل إليه هو قراءة القرآن.. لم يكن ينهي ختمة إلا ليبدأ غيرها.. كذلك كان يتلو بعض السور أو يقرأ على قوارير مياه للبركة بالنّيّة الصادقة.. كان يقرأ القرآن أكثر ممّا يدعو أو يسبّح أو يخطب أو يفتي.. لأن أعلى الذكر وأصدقه هو القرآن.. وأحسن شيء هو الخلق الحسن.. وأن يكون المؤمن قرآنا يمشي بين الناس.. 

أؤمن كثيرا بترابط الأرواح وتقاربها وتجانسها كقطعتي puzzle تتكاملان مع بعض.. وعلى هذا الأساس، روح سي محمّد من أكثر الأرواح التي تشبهني وتحس بي وتعيش بنفس القيم والتفكير معي ومع كل من مازال يؤمن بالصفاء والنقاء والطيبة.. كان وجهه دائما مضيئا يعكس نور روحه من الداخل.. لطالما شعرتُ أنا وغيري أنه ولي صالح، لهذا لم أستطع تقبّل موته خاصة أنه تحسن قليلا من مرضه العادي ولم نكن نحسّ أنه سيرحل في أيامه الأخيرة فقد تعكرت صحته ثم مات فجأة.. لكن الطيبين لا يموتون بل تبقى روحهم معنا تزورنا وتراقبنا وتدعو لنا..

لا أقدّس الرّجل ولكنه كان فوق أهواء البشر العاديين وسقطاتهم.. كان نظيفا بحق.. لا أدري أأدعو له بالرحمة أم أنني أنا ومن أحبّه من يحتاجون لدعائه.. أنا متأكد أنه أسعد منا في عالم أجمل ولهذا لو كان لي طلب واحد منه فلن يكون دعوة عاجلة لن أفرح بها كثيرا ولكن رغبتي الوحيدة هي أن نلتحق به سريعا دون ضرر ودون ألمِ حياة دنيئة نناضل فيها لآخر رمق لكننا لا نتشبث أبدا بعالم سفلي كثرت همومه وآلامه وأوساخه.. لن يعوّض هذا الجار الطيب أبدا في حياتي.. ولعل رحيله إشارة جديدة إلى رحيل زمن جميل ومزيد من الفساد في الأرض بعد رحيل رموز طيبة سابقا من أناس وحتى برامج ثقافية أو أعمال فنية راقية وقيم نبيلة أصبحت أندر ما يكون في عصر يزداد انحطاطا وتفاهة كل يوم..

رحمك الله سي محمّد ورحمنا نحن من مازلنا في هذا العالم الصعب القاسي.. وجعلنا نلتقي بك في العالم الجميل الخالد محبّة خالصة في الله تماما كما التقينا وتحاببنا في الدنيا الفانية..                 

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة