كانت دار جدي مليئة بالأكداس في كل فصل وكان العمل متواصلا ولكن أكبر
الأعمال وأهمها على الإطلاق هو موسم "تقشير اللوز" الذي يستمر قرابة
الشهرين... كان جدي مختار صاحب حقول عديدة بالإضافة إلى زوجته خدوجة وإخوانهما...
فكان من كرمه أن يأتي بالبستاني الذي لطالما أحببتُه أحمد التركي المشهور
ب"بوك احمد" يقود مجموعة من العملة لجني صابة اللوز التي يؤتى بها إلى
المنزل لتقشيرها ثم نشرها على السطح لتشميسها ثم تكسيرها وبيعها للعمال
والمحلات التجارية... وكان يحلو لي الركوب معه في "الكريطة" والذهاب من
منزلنا إلى دار جدي عليها... ومن أجل تقشير اللوز، كان يؤتى بعديد العملة يقومون
بهذا العمل من السادسة صباحا إلى الخامسة مساء ويتغدون ويأكلون في استراحاتهم
ويشربون الشاي ممّا يأكل أصحاب الدار الكرماء... يقوم كل واحد منهم بعمله ثم يكيل
لهم جدي في آخر النهار كمية اللوز المقشر ليعطيهم أجورهم... ومن إحدى طرائفهم أنهم
كانوا يستعجلون الخروج في المساء حتى يتفرجوا على مسلسل "كسندرا"،
وعندما يتأخرون يتفرجون في منزل جدي الذي كان يرش الفيراندا والممشى أمام المنزل
بالماء حتى ننتعش ثم يلعب "شكبة" أو دومينو مع أصحابه أو يستمع لأم كلثوم
وغيرها من الأغاني الراقية غير أنه يحب كثيرا سماع الراديو أثناء النهار.. ومن
أشهر العاملات نجد الجارة المسنة حبيبة بن رمضان التي يحلو لنا مناداتها
"حبيّبة رمضانة"... كانت مناضلة بحق... كانت تمشي منحنية من كثرة
الأعمال وتأتي متكئة على عرجون تستغله كذلك في تنظيف بعض الأوساخ التي تعترضها في
طريقها... هذه العجوز تفيق فجرا لتجمع الياسمين وتصنع به عقدا "مشموم"
ثم تأتي لتقشير اللوز مع أحفادها وفي المساء يبيعون الياسمين في الطرقات... كما
كانت تأتي في الفصول الأخرى حتى دون استدعائها ودون أن تطلب مالا غير أن جَدَّيَّ يكرمانها فكانت
تعتني بالخضر "المطاير" السلق والمعدنوس والفول والحمص والجلبان وغيرها
وتقوم بأعمال العولة... وكانت تمتعنا بحكاياتها وألغازها وذكرياتها ولكن ذلك قد
يتحول إلى ثرثرة ربما يتركها البعض وهي مازالت تحكي ويكمل الجميع فطوره بينما هي مازالت
تتحدث ولم تبدأ الأكل بعد... وكان بعض الصبية يستولون على ما تقشره من لوز والحمد
لله لم يحصل ذلك في مرات كثيرة... تعلمتُ منها أساسا صنع "مشموم"
وداومتُ على هذه العادة إلى اليوم... كانت أياما جميلة، ربما كنا نتأفف من
تقشير اللوز ونعتبره عملا شاقا وطويلا ويحرمنا من العطلة والراحة والسياحة وكنتُ
وأنا صغير أكره ذلك وحتى جدتي أحيانا عندما ينفد صبرها كانت تقول "متى تنتهي
هذه الصابة المشؤومة ؟".. ولكننا لم نكن نقصد ذلك أبدا... بل إننا نحنّ إلى
تلك الأيام... وصفاقس كلها تتحسر على الحقول الشاسعة واللمة العائلية والقلوب
الصافية... وتتحسر بالذات على أشجار "الزّلّوز" التي مات أكثرها ولم يبق
لنا إلا قليل من الزيتون بعد أن تطورنا وأهمل الأحفاد فلاحة الأجداد وأصبح معالي
الدكاترة يخجلون ويتعبون من الأعمال المنزلية والفلاحية... أما دار جدي، فكأن لعنة
أصابتها إذ حدث نزاع في الميراث وأُغلقت الدار ثم هُدّمت وأصبحت أنقاضا دون إعادة
بنائها من جديد بعد أن ورثها ابن الخال ثم ابن الخالة الذي مات بدوره... وحتى برج
أب جدي نفسه أغلق منذ السبعينيات مع الحقل ومازال الملك محل جدل حتى بعد وفاة بعض
الورثة... مات الأجداد وحل الخراب في الديار والقلوب وتبدل وجه المدينة فأصبح
الاسمنت والاسفلت هو الطاغي عليها حتى الزنق أصبحت فضلات وحجارة بعد أن كانت
الثنايا ترابا أحمر نظيفا وغصت بالسكان والبنايات وانتهت الحقول الخضراء الواسعة
وحلت محلها المادية والمدنية...
وبعيدا عن منزل الأجداد، كنتُ أحبّ اللعب في حديقة دارنا عشية... كنتُ أحلم أن
أكون مقدما تلفزيا منذ صغري... وفي سن الثامنة، اخترعتُ برنامجا بعنوان
"مساءات" من السادسة مساء (بعد انتهاء تقشير اللوز) إلى التاسعة والنصف
ليلا ألعب فيه رياضات أولمبية مختلفة وأعلّق على نفسي... وكذلك كان الشأن صباحا في
برنامجي "ساعة رياضة" و"شاهد واستمتع"... وكنتُ في برنامج
"مساءات" أقدم آخر الأخبار وبين الخبر والخبر كنتُ أدق الباب بالعصا
كالذي يقرع الطبل حين يعلم الناس في السحور أو غيره... وكنتُ أعلق ناقدا على بعض
البرامج التي تعرض في التلفاز وأقوم بفقرة تثقيفية حول العناية بالحديقة بالإضافة
إلى الألعاب المائية في المسبح الصغير الذي نملكه والذي كان يأتي إلينا كل الناس
للسباحة فيه... وربما أمرّر بعض الأغاني والفقرات الترفيهية الأخرى... ولكن كلما
كبرتُ في السنّ، ظهرت الهوايات الثقافية أكثر إذ بدأتُ أهتم بقراءة الجرائد
الورقية بانتظام قبل سن العاشرة وقراءة القصص وختم القرآن... ثم كتابة خواطر أو
مقالات أو بحوث لاحقا... ولكم تأثّرتُ بقصص المنفلوطي التي قرأتُ كل أعماله
الجميلة الراقية وكذلك ديوان أبي القاسم الشابي "أغاني الحياة" ومتابعة
الأحداث الرياضية وتسجيل أشرطة كاسات صوتية من إعدادي وتقديمي أو أشرطة فيديو من
التلفاز لأهم المنوعات.. وكنتُ أعشق الصور المتحركة والمسلسلات والمنوعات التونسية
والعربية والفرنسية ولا أنسى عشقي لFort Boyard والحصة النّبيلة المعلّمة التي
أحببتُها منذ صغري حتى قبل أن أتعلم رسميا الفرنسية وهي Des Chiffres Et Des
Lettres وكنتُ أعشق اللعب بها حتى وحدي في الفيراندا وأخترع أسئلة في هذه
الحصة des coups وكذلك أسئلة في الثقافة العامة ومترادفات ومتضادات خاصة بعد
اختفاء برنامج جميل Pyramide وكذلك كنتُ أحب عديد الألعاب الفكرية والورقية وألعب الدومينو مع
جارنا العجوز سي محمد بن عبد الله الذي يأتي لنا مع زوجته نجاة أو نذهب إليه
وكانوا يعطونني فلّا فأعطيهم ياسمينا... كل ذلك والرّجل المسنّ يعبر منفذا
"فلّة" من الطابية فيها بعض الصعوبات والمطبات ولكن المحبة تغلب وكنا
نترشف قهوة ونتبادل أحاديث جميلة... ومعه بالذات وطيلة السنة، كان يأتينا خاصة
عشية السبت لقراءة الأنوار وتناول قهوة و"ميلفاي"... ولكن مات جارنا
الطيب رحمه الله وماتت معه عديد القيم النبيلة والأوقات السعيدة...
صيفي كان مختلفا قليلا عن الآخرين... كنتُ أسعد بالأشياء البسيطة... كنتُ
أسافر إلى تونس والمهدية والمنستير وسوسة وعديد المدن الجميلة... وأذكر في هذا
الصدد صديقنا علي البحار الذي نركب معه سفينته ونسبح في أعماق البحار ونصطاد سمكا
ونشويه... ولكنني لم أكن من عشّاق الفنادق ذات خمس نجوم ولا السهرات الصاخبة ولا
الاجتماعات ولا الأعراس الصادحة.. كنتُ أخترع بفضل الله ألعابا وأفكارا وهوايات
ومتعا من أبسط الأشياء.. وكنتُ أسعد بذلك كثيرا أكثر ممن يسيحون في الأرض... عشقتُ
الترفيه والثقافة الجادة منذ صغري... عشقتُ صيفا فيه العمل النافع والمتعة
الهادفة... وحاولتُ الحفاظ على بعض التقاليد ولكن الحياة فسدت وتعقدت ولم تعد تسمح
لنا بعيش كل تفاصيل ذلك الزمن الجميل حقا... رحم الله أجدادنا وجيراننا وأصدقاءنا
الطيبين الأحياء منهم والميتين... ورزقنا حياة بسيطة راضية مرضية...

تعليقات
إرسال تعليق