بعد 70 سنة من الاستقلال وبعد 60 سنة من إنشاء القناة الوطنية في زمن بناء الدولة الوطنية التي كانت من أوكد أولوياتها الاقتصاد والفلاحة والصحة والتعليم والثقافة وبصفة عامة "المادة الشخمة" والاستثمار في الثروة الإنسانية والذكاء، نجد أنفسنا أمام قناتين وطنيتين الأولى تعمل نصف يوم أو أقل والثانية تقدم الإعادة وإعادة الإعادة... علما أنها أنشئت باسم قناة الشباب، وكانت في بداياتها ثورة إعلامية مع خطاب شبابي غير رسمي وإيقاع سريع وبرامج خفيفة وأفكار جديدة، فمسها الآن "الركود" وركنت إلى إعادات باسم "ما يطلبه المشاهدون" وما كان لهم أن يطلبوا إعادات كامل اليوم ! وفي كل هذا، تراجع المشهد الإعلامي بصفة رهيبة فأصبح أحيانا سخيفا وركيكا وكأنها استراتيجية تخدير أو على الأقل لامبالاة وعدم احترام للمشاهدين.. نقول هذا، ونحن نعتقد أن الوطنيتين أحسن من غيرهما وبقيتا -رغم كل شيء- أشد حرصا على مادة تحترم عقل المشاهد، لكن في النهاية قلّت الكفاءات ونقصت البرامج القيمة الهادفة..
وبعد صبر طويل، حل ركب قناة رياضية نرحّب بها لكن بصراحة لماذا لم تكن لنا نفس الإرادة لإنشاء قناة تعليمية في ظل تصحر فكري رهيب ألقى بظلاله علينا خاصة في آخر 10 سنوات ؟ هل أن الرياضة -التي نحبها- أهم من التعليم والثقافة وبناء فكر الإنسان ؟ كل هذا ونحن نعلم أن فكرة إنشاء قناة تعليمية بدأت حتى قبل فكرة القناة الرياضية واشتدت الحاجة إليها في سنوات الكورونا مع العمل عن بعد وانقطاع الدروس لفترة غير قصيرة.. وكان المسؤولون والوزراء المتعاقبون في كل مرة بها يبشرون ثم فجأة عنها يحجمون !! بل لقد تم حجز موقع القناة فعلا على قمر النايل سات وكانت لها إشارة ثم اختفت ! للتاريخ، نعترف أن المسؤولين والدولة كانت لهم إرادة لذلك لكنهم اصطدموا بسخرية من الأسرة التربوية نفسها حول عدم جدوى هذه القناة بدعوى أن الدروس المقدمة لا تعوض الدروس الفعلية والتفاعلية وهي كلمة حق أريد بها باطل.. لأن الدروس ستكون نموذجية وستعين حتى الأساتذة بأفكار في بناء الدرس وبتصورات بيداغوجية وستساعد التلاميذ في إتمام استيعاب الدروس وفهمها.. ستكون بمثابة "مقويات" أو محسنات.. أوليست هذه مهمة الدروس الخصوصية في البداية قبل أن تصبح القاعدة عند البعض وتصبح هي الضرورة ؟ ولا يفوتنا أن البعض ممن يقدمون هذه الدروس هم أنفسهم من انتقد القناة التربوية... ولنذكر أن تلفزتنا الوطنية ومنها قناة الشباب نفسها كانت إلى وقت قريب خاصة قبل 2011 تقدم دروسا تساعد على مراجعة السادسة والتاسعة والباكالوريا وكان ذلك تقليدا جميلا نتصور أنه يفيد التلاميذ ولو قليلا.. وكان بالإمكان أن نرى دروسا شاهدة leçons témoins وألعابا ومسابقات ووثائقيات وصورا متحركة وبرامج للأطفال وشيئا من المسرح والسينما والموسيقى والفن التشكيلي والنقاشات الفكرية والأدبية والمسلسلات التاريخية والثقافية والحكايات المسلية والمفيدة والثقافة العامة والومضات التحسيسية وغير ذلك مما ينفعنا لكننا ركنا إلى الإحباط والجمود والكسل..
أغلب الدول العربية لديها قنوات تعليمية رائدة تعمل على مدار السنة على غرار مصر والمغرب والجزائر والأردن ثم انظروا إلى العراق وفلسطين وسوريا إلى آخر حكم بشار وهي دول تعيش صراعات وحروبا ودمارا ومع ذلك تولي للعلم أهميته بل نقول لكل من سخر من هذا الحلم الثقافي : شاهدوا قناة ليبيا التعليمية وانظروا إلى دروسها المنوعة التي يقدمها نساء ليبيا ورجالها الذين فاقونا علما وعزيمة رغم أن البعض منا يتهكّم منهم.. مع العلم أن هناك دولا جعلت قناة تعليمية وقناة وثائقية أو ثقافية كل واحدة على حدة، وأخرى جعلت قناة للتعليم الابتدائي والثانوي وأخرى للعالي وكان هذا في مصر إلى ماض قريب... والأمر لا يتطلب إمكانات مالية وتقنية ضخمة، فبكاميرا واحدة يمكن تصوير كل الدروس.. وكلنا بحاجة إلى هكذا قناة : الصغار والشباب والأساتذة وحتى الكبار وقليلو التعليم الذين يرغبون في الاستزادة من بحر المعرفة... فهل إرسال الأبناء إلى الحضانات وحشر أدمغتهم بالدروس الخصوصية في العطل وحتى أيام الآحاد أسلم لهم ؟ كان بالإمكان أن تكون القناة رسمية وبغطاء بيداغوجي رسمي، لكن نحذر بل نشدد من التحذير هنا من المحاباة في اختيار الأساتذة وتقريب البعض دون الآخرين بعيدا عن الكفاءة أو جهة دون أخرى أو الوقوع في فخ دروس مثالية كاذبة لا تعكس واقع القسم ولغة خشبية قد يتكلم بها بعض المربين أو المتفقدين.. نريده درسا تلقائيا حتى بهناته وأخطائه غير محضر مسبقا...
مازالت تونس الرائدة لعقود مضت تحلم بقناة تربوية وتثقيفية وأخرى إخبارية وغيرها لمجلس النواب وحتى رياضية إلى وقت غير بعيد وغيرنا أنجز ذلك كله وأكثر، بينما تلفزاتنا كثيرا ما تغرق في تبليد العقول والبرامج السمجة.. تلك خياراتنا وهنيئا لنا بها !

تعليقات
إرسال تعليق