علّمني الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد

 

علمني الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد الثبات على المبدأ حتى لو كان الثمن عائلة وقصورا ومالا وحرية في التنقل ولقد قال مرة في ما معناه : "حبستم جسدي لكن روحي حرة طليقة لا تخضع لسلطان الخونة والظالمين".. علمني صدام أن الحياة مواقف وأن نظل ثابتين نابضين مادامت الدماء تسري في العروق مهما قست الظروف وتقلبت الأحوال وأن نتحمل مسؤولية القيادة بشرف وبرجولة ودون تنصل من شيء في اللحظات الحرجة فلقد قال "للقاضي" : أي توقيع رسمي مني أتحمله، لا تتهموا أحدا من رجالي، أنا أتحمل المسؤولية عنهم جميعا، لا أفرح بالمنصب فخرا ثم عندما تأتي المشاكل أتهرب من التكليف".. علمني رئيس بلاد الرافدين أن نصدق ونقول ما نفعل.. عرفنا أن كلامه لم يكن تهديدا أجوف ولا استعراض عضلات ولا شجاعة مزيفة.. كنا نراه وهو يقف صامدا أمام جلاديه يجادلهم بالتي هي أحسن بأسلوب حواري رائع وبلغة المتمكن وكلامه يثير فينا لذة الاستماع لما فيه من سلاسة للعبارة مع لغة متينة وحسن تبويب وهو يعبر عن فكر نير يرغب في تقديم الكرامة حتى إن رفضها البعض من هذه الأمّة التي تصدعت واختلفت مللا ونحلا وأصبحت عدوة نفسها قبل أن يتآمر عليها أحد.. علما أن كثيرا من الدراسات من مؤسسات مختصة في النسب منها ما هو في السعودية أرجعت إلى حد شبه أكيد أن صدام حسين ينحدر من سلالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وبالتحديد من ابن عمه علي بن أبي طالب.. ومهما يكن من أمر، فإننا لا نقدس شخصا لكن نعتقد أننا لم ندرك الأنبياء والعظماء في حياتهم لكننا أدركنا رجلا أقل حسنة فيه -حتى لو كان قد ارتكب أخطاء قبلها- أنه كان صادقا مع مبادئه وأفكاره حتى لو كلفه ذلك عنقه وحياته وقال : "لقد شرينا أنفسنا لله" ! 
علمني القائد صدام أن بعض من يتكلمون باسمه وبإرثه قد يخونونه ويستعملونه كواجهة نضالية، وعليهم أن يكونوا أوفياء لمن يتكلمون عنه وأن يكون عملهم مثله لا مجرد اتباع بالكلام فقط..

علمني الرئيس الشهيد أن نصبر وأن نحول أسوأ اللحظات إلى رضا وسلام داخلي فلقد كان يسقي النباتات في زنزانته ويجلس في مكتب رمزي شرفي عليه علم العراق وكان يقرأ القرآن ويكتب الشعر. وكان شبه قانع في أمتار مربعة ضيقة ولم تكسر إرادته ولم يتغير ولم يضعف ولم يساوم من أجل راحته مع أنه طلب منه في عرض رسمي أن يوقف القتال في الفلوجة وينقص من سلاح المقاومة مقابل تأمين ملجأ آمن له ولعائلته وضمان عدم محاكمته..

علمني الرئيس صدام أن العدو ليس خارجيا دائما فقد يكون ظلم ذوي القربى أشد مضاضة ومرارة وأن بعض العرب وأشباه المسلمين أكثر خيانة، فلقد ظل محبوسا عند الأمريكان 3 سنوات ولما بات ليلة عند بعض الحاقدين من بني جلدته أعدموه في يوم حرام في شهر حرام.. بل لقد كانت له علاقات جيدة مع "حراسه" الأمريكيين الذين لم يكونوا بريئين في الأصل، لكن كان كثير منهم منبهرا بشخصيته، وكان القائد العراقي يفذلك معهم ويتواصل معهم في شتى المواضيع ويقول لأحدهم أنا مثل أخيك أو أبيك الذي افتقدتَه.. ولقد كان صدام السني يدافع عن كل الأديان في العراق وكان يهتم أكثر بأنه مواطن عراقي أتى من أقدم الحضارات منذ حوالي 9000 سنة كما قالها أكثر من مرة في ما يسمى بالمحكمة التي انتصبت له كما انتصبت قبله لعمر المختار أو تشي غيفارا أو سقراط أو غاليلي وغيرهم كثير... وكما قد تنتصب لكل صوت شريف خارج عن السرب بعيدا عن الحسابات والمصالح الضيقة...

علمني صدام أن الخيانة والخذلان تأتي بلا مقدمات ورغم ذلك يجب ألا نتأثر.. وأن هناك كثيرا من اللامبالاة والأنانية في العالم عامة وعند العرب خاصة.. كانت روسيا والصين أضعف من الآن في ذلك الوقت، وكان الشارع العربي صامتا.. وإننا لنستغرب كيف لم تكن هناك مظاهرات أو احتجاجات رسمية جادة في ذلك الوقت.. وأن الناس التي تحيط بك عند الرخاء وعملت معك بالأمس تنفض فجأة و"تتحول مع الواقف" وتتلون كالحرباء وتنكر كل صلة بك عند انقضاء مصالحها... وأن الحكام العرب كانوا كلهم مسلوبي الإرادة في ذلك الوقت باستثناء القائد الليبي القذافي -رغم بعض سقطاته- الذي تنبأ بمصير الحكام العرب في قمة دمشق أمام بشار الأسد سنة 2008 وقال لهم : "ممكن الدور جاي علينا كلنا وممكن أمريكا توافق على شنقنا في يوم من الأيام".. ثم كان "الربيع العربي" الذي كنا نحتاج إليه للديمقراطية لكن ليس بتدخلات خارجية وحرية كاذبة هي فوضى وتخريب وتهديم للأوطان.. ومن سخرية الأقدار، أن الرئيس الراحل بن علي كان من أول من زار بوش الصغير في أوائل 2004 بعد أشهر قليلة من اعتقال رئيس العراق وكأنه يطلب إذنه في أشياء... ثم كان أول من انقلبت عليه أمريكا وحلفاؤها في 2011 التي كانت انتفاضة شعبية داخلية لكن تدخل فيها الأجانب وحولوها إلى ما يشبه حربا على الأوطان العربية التي كانت إلى حد ما لديها مواقف ممانعة كتونس وليبيا وسوريا واليمن.. مع عدم إنكارنا لبعض أخطاء حكامها في ذلك الوقت.. لكن "الديمقراطية" كانت هدية مسمومة.. وفي النهاية حتى في مجال الحريات في ذلك الوقت كانت هناك برامج ناقدة ومسلسلات وجرائد وكتب وحركة ثقافية في مصر وتونس رغم بعض التمجيد واللغة الخشبية أحيانا..

علمني القائد العراقي أن القضاء والقانون كما الدين يمكن أن يُستعملوا لتصفية الحسابات وأن بعض "الإجراءات" هي قانونية في ظاهرها باطلة في عمقها وحتى لو كانت باطلة شكلا ومضمونا يتم التعسف عليها بوقاحة من يمتلكون السلطة من أجل انتقامات رخيصة تعكس دناءة أصحابها.. "وتبقى الأسود أسودا والكلاب كلابا".. في وقت قال القاضي الشريف الكردي رزكار محمد أمين إن المحاكمة لم تكن شرعية وانسحب منها وتعرض كذلك لضغوطات بالإضافة إلى نقلة القاضي عبد الله العامري الذي اتهم باللين مع الرئيس وقال رزكار ما معناه إن القاضي يجب أن يسمع ولا يضره أن يسمع وقالها صدام ما دام القاضي هو الذي سيحكم في النهاية فلن يقلقه أن يسمع "المتّهم" ليقول ما في جعبته.. وأن رزكار قال أردت تشريف القضاء العراقي وتقديم صورة جيدة له.. في محاكمة طرحت كثيرا موضوع استقلالية القضاء في العالم العربي.. علما أن الحكم الابتدائي كان يوم 5 نوفمبر 2006 وبعدها بشهر تم تأكيده وتنفيذه قبل بلوغ صدام 70 سنة في أفريل 2007 وأن إعدام رئيس دولة شرعي في يوم عيد الأضحى بل في أيام مولد المسيح ورأس السنة الإدارية لهو استفزاز لمشاعر الناس من كل الأديان وفي الثالثة فجرا بالتوقيت العالمي السادسة بتوقيت العراق.. وكان الأجدى بهم أن يعدموه أمام الجميع في منتصف النهار وليس في قبو مظلم وبوجوه ملثمة كانت هي الخائفة أكثر من الرئيس نفسه الذي أكد جندي أمريكي أنه كان يضحك حتى خافوا من عملية لإنقاذه أو خدعة بزعمهم، ولكنه أكد أنه كان ينظر إلى شيء ما أمامه دقائق قبل الإعدام وكأنه كان يرى شيئا جميلا ولعله ثبات من الله أو مقعد للصادقين في الآخرة..

علمني صدام حسين المجيد (وهذا اسمه الكامل وليس تعظيما لنا له) أن الإنسان قد ينظر له من زاوية سيئة أنه مجرم أو سيء بينما التاريخ هو الذي سيحكم ويحدد ماذا فعل الشخص ولماذا فعل... وما لا يُفهم اليوم يُفهم غدا... ونحسب أنه كان حسن الخاتمة وأن تمسّكه بالقيم ومعاناته تكفير له عما قد يكون له من أخطاء لم يتركوا له حتى فرصة الحديث عنها وفهمها للحقيقة والتاريخ.. علمني الرئيس العراقي حب الوطن والأمة بل الإنسانية جمعاء وأن الإنسان تاريخ وذكر و"إن المرء حديث بعده" وأن العالم يحتاج إلى أكثر عدلا وحكمة كما أوصى مانديلا بذلك بوش الصغير وأوصى بها تونس بعد 2011 مباشرة.. 

علمني صدام حسين أن الإنسان رسالة وموقف ومبدأ... 

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة