رشيد قارة فنان من الزمن الجميل الأصيل.. ولد بقليبية في 14 أكتوبر 1930. كانت بداياته المسرحية سنة 1950 إذ شارك في جمعية الكوكب التمثيلي ليلتحق بعدها بسنة بمدرسة التمثيل العربي وفيها تحصل على شهادة الفن المسرحي ضمن الدفعة الأولى سنة 1959. وفي نفس السنة أسس مجلة المسرح. وفي الأثناء، التحق سنة 1955 بفرقة بلدية تونس للتمثيل العربي، ليؤسس سنة 1957 جمعية قدماء مدرسة التمثيل المسرحي التي قدم فيها دروسا تطبيقية في هذا الفن.. وكذلك أسس اتحاد الممثلين المحترفين وترأس مجلس إدارته..
شارك في عدة أعمال مسرحية مثل "مراد الثالث" و"كاليغولا" وأشهرها "الماريشال عمار" بدور أستاذ الرياضة.. ومن أعماله السينمائية : المتمرّد، في بلاد الطّرننّي، نزهة راقية، أولاد القلق، عارضة الأزياء، ... وأخرج مسرحيات على غرار "الفدا" و"المعز بن باديس"..
ظهر في أشرطة وسهرات تلفزية منها "حكايات العروي" و"اعترافات المطر الأخير".. وتميّز في عدة مسلسلات تونسية من بينها "زوبعة في فنجان" (1966) مع بدايات التلفزة التونسية، يحي بن عمر، الواثق بالله الحفصي، ليلة الهروب، الناس حكاية، العاصفة، غادة، الخطاب ع الباب (الجزء 1)، ماطوس، شرع الحب، مال وآمال، كمنجة سلّامة، ... وشارك أيضا في مسلسلات عربية مثل عبد الرحمان بن خلدون (1985) و"ما تخافوش" سنة 2009 وهو من آخر أعماله..
سيدي، لقد أحببتكَ كثيرا وشاهدتُ بعضا من مسلسلاتك وأفلامك ومسرحياتك وأعجبتُ بها.. ولكن أهم ما أحببتُك من أجله هو السلسلة التي كنتَ تقدمها للأطفال في التسعينيات "كان يا مكان".. إن العروي يولد من جديد !.. لطالما تربينا على حكاياتك المشوقة وعبرك المفيدة بإلقاء جميل وبلغة متينة تراوحت بين دارجة لذيذة غير مبتذلة وعربية فصيحة قويمة دون تعقيد.. كنتَ جدّا لكل الأطفال بل حتى للكبار تمتعهم وتعلّمهم.. لم يحتج هذا البرنامج إلى تقنيات كبيرة أو ديكور ضخم، لكنه كان مسلّيا ومحققا للأهداف التربوية التي يجب أن تتربى عليها الناشئة والقيم التي ينبغي أن يتحلى بها الكبار والصغار.. كنتَ نجم هذه الحصة الجميلة التي كانت تأتينا مساء كل ثلاثاء وفي أحد المواسم مساء السبت وقبلها يوم الاثنين كان صاحب الوجه المنير الذي تشعّ منه أنوار المعرفة المبدع الجبار الشريف يطلّ علينا في أيقونته الخالدة "في كل بيت كتاب" التي استمرت 10 سنوات (1992-2002).. وكان القاسم المشترك بينكما بساطة الإمكانات وإتقان السيناريو وحسن تمثيل كل اللقطات مع فنانين من خيرة ما أنجبت الساحة التونسية مع إخراج للكبير المنصف الكاتب الذي كان رسّاما أيضا لخلفيات جميلة تخدم القصة... وإن كان هناك مخرجون آخرون لحكايات "كان يا مكان" على غرار محمد الهمامي وكذلك المنجي الخروبي الذي لا نوافقه في اجتهاده في تقسيم القصص إلى أجزاء تصل إلى الثلاثة لما في ذلك من تمطيط وتقطع في الأفكار وتلك كانت النقطة السلبية الوحيدة.. كان الإلقاء جميلا مبنى وأجمل منه جاذبيةُ جدنا رشيد قارة الذي كان له حضور وكاريزم في كل الحالات سواء بالجبة والشاشية أو بالكسوة وربطة العنق، وكانت له رصانة ورزانة وتنغيم في كلامه يحسن تطويع المعنى ونطق الحروف وكأنه يرتل نشيدا أو محفوظات ذات مغزى تزيده تأثيرا حركاته المحسوبة باليدين أو العينين أو إيماءات الوجه في الغضب والسعادة والحيرة وغيرها من المشاعر... تنوعت طريقة الإلقاء بين الحديث إلى المشاهد مباشرة بالدارجة في السنوات الأولى وبين قص القصة على شخص آخر تكون لديه مشكلة في حياته فنكون نحن ذلك الشخص الذي سيستفيد من تلك الحكاية ويعتبر بها...
مازالت حكاياتك ووجهك الصبوح والناضر يطلّ عليّ فيعيد إليّ زمن الطفولة ومتعة المشاهدة.. لو سألني شخص ما معنى "شيخ وقور" لأجبتُه انظر إلى رشيد قارة.. من الناس من يلقي الله حبه في قلوب عباده بمجرد طلته.. لطالما مثّلتَ دور الحكيم أو المعلّم أو الملك ولطالما أبدعتَ وأقنعتَ.. وحتى أدوارك في المسلسلات التلفزية كثيرا ما كانت في ذلك الاتجاه مثل جدّ سامي وسهام في الخطاب ع الباب على سبيل الذكر لا الحصر...
تُوُفّي رشيد قارة في 28 ماي 2010 في خبر كان كالصاعقة على كل محبي هذا الفنان الراقي.. وكأن وفاته كانت تعلن نهاية زمن وبداية زمن آخر أقل عمقا وجمالا...
وكأن التلفزة التونسية عقرت بعدك وبعد ثلة من رجالها الأكفاء عن الخلق والإبداع... ويا ليتها تستلهم منهم فتعود إلى منبع العلم والجمال..
لن أنساك ما حييتُ يا جدّي ويا معلّمي الحبيب ! رحمك الله وأسكنك فراديس جنانه أيها الفنان الناجح !

تعليقات
إرسال تعليق