كثيرا ما يغفل الإنسان عن نفسه وينغمس في متاهات الحياة.. وما أكثرها خاصة في هذا الزمن الصاخب المعقد.. فلا ينظر حوله إلا ليرى أن قطار العمر قطع به مسيرة طويلة دون أن يعلم ! إن كل ما من حولنا يدعونا إلى الغفلة، بل إلى التفاهة والركاكة والبلادة الأخلاقية والذهنية.. إذا تراجع دور الإعلام والتعليم والسياسي والإمام والولي والصديق والقدوة بصفة عامة وأصبح الزمن زمن مصالح ولامبالاة ثم التبست الأمور والمفاهيم والقيم فلم نعد نعرف الحق من الباطل ولم نعد نفرق بين الضار والنافع والغث والسمين... إذا اختلطت السبل ليس على الشاب اليافع بل حتى على الخبير المتمرس والشيخ الحكيم في مسارات متشابكة وفتن كقطع الليل مظلما.. إذا كنا نعيش هذا وأكثر من هذا، فلا عجب أن تضيع الجهود والأوقات وتختلط علينا السبل فنهيم في كل واد.. ففي حديث نبوي : "يخرج في آخر الزمان رجال... ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله : أبي يغترّون أم عليّ يجترئون ؟ فبي حلفتُ لأبعثنّ على أولئك منهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران." (الترمذي).. وفي حديث آخر : "إنّ الله كره لكم ثلاثا : قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال" (البخاري ومسلم) وكثرة السؤال هنا على أوجه : كثرة الشكوى وسؤال المال دون تعفف، أو كثرة السؤال والخوض في شكليات ومتاهات في الدين دون حاجة وكذلك في مجالات أخرى حيث نميل للتعقيد واختراع المشاكل من عدم، أو التجسس على أحوال الناس وإحراجهم... وفي حديث آخر : "ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا : (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) الزخرف 58" (الترمذي).. وفي الأثر : "إذا أراد الله بقوم شرا ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل"..
لقد نزلنا إلى الحضيض مع كثرة العراك والرغبة في الخوض في كل مشكل، بل اختراع المشاكل والتفاعلات، وإحباط الناس، و"خلق" الهموم والأحزان.. لقد نسينا البساطة فنسيتنا السعادة.. نسينا القناعة والنقاء فنسينا الرضا.. تعقدت حياتنا وكثرت حاجاتنا فترانا نركض دون أن نحقق شيئا..
المتأمل في آخر 15 أو 20 سنة في العالم وخاصة في تونس، سيجد فوضى عارمة وإضاعة للأوقات والأعمار لا تطاق.. تكون للواحد منا أحلام بسيطة فيراها تتحطم أو تكاد.. يمضي العمر وهم يمنّونه ويماطلونه حتى تبرد العزائم وتتجمّد الهمم وتموت القلوب.. من العيب بل من الوقاحة أن نقول لشخص عمره 30 سنة : "مازلت صغيرا" ونعيدها له بعد 10 سنوات !!! من الظلم أن نترك الحياة تمرّ دون تحقيق أهداف شخصية فضلا عن أهداف جماعية.. بسبب التسويف والاستهانة بالناس.. عادي جدا أن تتعطل قضية في محكمة أو مشكلة عقارية أو مشروع سياحي أو ثقافي أو فلاحي أو إنجاز ما بسبب تدخلات سلبية.. عادي جدا أن تهدم أحلام وطموحات بإحباطات أو تثبيطات وأن تتحطم كيانات أو تكاد بسبب تتالي الخيبات.. إنها ليست خيبات فردية فقط بل جماعية تزرع الشك واليأس حتى في الدول نفسها.. حرام أن يكون الفرد في أوروبا في الثلاثين قد حقق الكثير من أحلامه بينما مازال التونسي يبحث عن نفسه في الأربعين والخمسين والستين والسبعين... ليأتي جاهل أو خبيث ويقول له كلمة حق يراد بها باطل : "اصبر"... تحدثنا عن القناعة والعفة وهي تنقصنا، لكن في نفس الوقت هناك خطاب ديني واجتماعي يدعو إلى المهانة والاستكانة... نخجل كثيرا عندما نعلم أن حصة تثقيفية من "الغرب الكافر" في نصف ساعة تقدم معلومات في شتى المجالات بينما نقضي نحن ساعات وساعات في جدالات وأحاديث تافهة بل حتى السلام والمقدمات تمتد عشرات الدقائق دون أن نلمس أي لب لموضوع نافع..
حرام أن تضيع الجهود والأعصاب والأعمار بغصة ووجع وصدمات ومحادثات وخصومات جانبية.. حرام أن تصبح حتى البرامج التلفزية مجرد إلهاء وثرثرة وسفسطة وتوجيع رأس مع انعدام الثقافة الجادة والفنون النبيلة وكل ما يبني الكيان ويخرج الإنسان من خدره وتفاهته المصطنعة وهو القادر على الأفضل بالتأكيد..
قد نبكي حالنا وقد نعرف علّتنا ونحاول التغير من الغد لكننا لا نفلح فلا النفس ناشطة ولا المحيط مشجع فنعود ونغرق في نفس الدائرة وفي القلب حسرة و"قهرة"..
لأن تراكم الأحزان قد يؤدي إلى الهوان.. إننا مدعوون جميعا لخلق الأمل والتحفيز والنشاط وحب الخير للغير.. لكننا عوض أن نفرح لبعضنا نحطم مجهودات بعضنا ولن يفرح أحد في النهاية فكلنا خاسرون.. وعوض أن نتبارى ونتنافس في الخير، يكون الهدف تفتيت جهود الغير.. صحيح أن التونسي اليوم مدعو إلى لوم نفسه الكسولة والغافلة والغارقة في الملذات أو الملهيات التي صنعها لنفسه أو صنعوها له لكنه يستطيع أيضا أن يلوم محيطا يدعو إلى الإحباط أحيانا كثيرة.. في تونس وحتى في العالم، يلهوننا بكثرة المباريات الرياضة وقشور المسائل وعديد الانحرافات حتى ننسى إنسانيتنا الحقيقية..
حرام أن تضيع الأعمار والحياة دون إعمار ودون فرح حقيقي فنكون كالبهائم والأنعام بل أضل سبيلا لا تعرف من أين تأتي وإلى أين تذهب.. وهي قابلة للسقوط في أي حفرة في كل وقت.. حرام ألا نفرح ولا نفرح من نحبّ وألا تتحقق أحلامنا البسيطة وتصبح أهم أمانينا مغادرة البلاد أو جمع المال بالحلال أو الحرام والنجاة بجلدنا و"أنا وبعدي الطوفان"..
لقد قلناها ولا بأس من إعادتها : حرام أن يمضي العمر ويتقدم ونحن مسجونون روحيا مكبلون فكريا بلا حول ولا قوة في بلاد عاش أهم أدبائها وهو أبو القاسم الشابي 25 سنة حقق فيها كل ما حقق بالإضافة إلى نجوم أخرى مثل نجيب الخطاب (45 سنة) وعبد الحليم حافظ (47 سنة) وموزارت (35 سنة) والأمثلة عديدة... اللهم أعنا على تعمير أرضك والفرح لأنفسنا وللبشرية، فإننا نفتقد الحركة والبركة...

تعليقات
إرسال تعليق