عبد القادر بن الحاج نصر في عيده الثمانين.. نصف قرن من الكتابة وطريق لم تفرش بالورود

 
هو الكاتب والأديب والصحفي والباحث والمذيع والفنان.. كتب الرواية والقصة القصيرة والمقالات والمسرحية والمسلسلات التلفزية... هو بكل بساطة المبدع الذي يقدّم أعماله محبة للناس والوطن رغم تحدّيات الكتابة التي يقول عنها إنها "لعنة قاسية ومدمّرة لكنها واجب مقدّس".. لم يتوقف عن الإنتاج منذ أكثر من 50 سنة بدءا من رواية "الزيتون لا يموت" 1969 التي حصدت الإعجاب وحازت عديد الجوائز ويُحتفى بها إلى اليوم حتى لدى الناشئة في المدارس والمعاهد.. كل أعماله تونسية صرفة تتحدث عن الوطن في مراحل مختلفة من الاستعمار ثم الاستقلال مرورا بالدولة الوطنية بتجاربها المختلفة حلوها ومرّها من تأسيس ونمو وحداثة وانفتاح اقتصادي وتعاضد وفساد واستبداد وصولا إلى ما بعد انتفاضة 2011 مع استبشار بالحرية مقابل تحديات أمنية من إرهاب ومخدرات وجريمة منظمة وأخطر منها محاولة تدمير الشخصية التونسية المستنيرة إذ يقول عبد القادر : "دسنا على الأصالة والأخلاق والثقافة".. وكان أديبنا قد تحدث في رواية "مملكة باردو" الصادرة سنة 2010 عن فساد نظام الباي الذي جلب تدخلا خارجيا وكانت إحدى الشخصيات تسمى "العزيزي" في سيناريو شبيه بأحداث 2011 رغم أنه كان يقصد فترة مصطفى بن إسماعيل ومعاهدة باردو لكن توقيت الرواية وتفاصيلها كانت تتنبّأ بأن التاريخ سيعيد نفسه... 

أغلب أعمال بن الحاج نصر تتحدث عن حب الأرض والتمسك بكل حبّة من ترابها الغالي.. كيف لا وهو ابن قرية بئر الحفي وهو الفلاح ابن الفلاح الذي عاش بين أحضان الطبيعة حيث كان يرعى أغنام أبيه منذ فجريّات الصيف وكان يكره ذلك إلى أن تشرق الشمس فيستمتع بالهواء والأجواء ويتأمل الأنهار والأزهار والأطيار.. ثم إنه كان لا يخلد للقيلولة ويحب التجول في الحقول وتسلق الأشجار وقطف الثمار.. كما يتحدث عن القرية وهي محيطه الثاني فيصف لعب الرجال بالورق أو تحلّقهم حول كانون الشاي إذ يعشق رائحته التي تملأ الفضاء وكذلك بائع الفطائر والزلابية والمخارق واللبلابي والمشوي وخبز الطابونة وتعلقه بالسوق الأسبوعية وما يعرض فيها من كتب صفراء تحتوي على القصص العجيبة بالإضافة إلى الحلويات وأنواع البخور.. وكم جلس تحت حائط روضة الشهداء قريبا من الجامع وشرب من ماء الحنفية العمومية والساقية التي يجري فيها الماء رقراقا لري الشجر.. وكثيرا ما تحسّر على الحنفية العمومية التي اندثرت تماما مثل عديد المعالم في "باب سويقة".. فعبد القادر هو العاشق للأرض والمدينة العتيقة على حدّ سواء يصف كل أزقتها وأبنيتها ومحلاتها، وهو الذي قضى أغلب وقته بين سيدي بوزيد وقفصة وتونس العاصمة.. وهنا يصرّح كاتبنا أن أهم شيء في الرواية هو وصف المكان والأحاسيس والشخصيات لإبراز الخطوط والأشكال والخصوصيات.. فهو يكتب بإحساس العاشق لكل شخصية ملتصقا بالأمكنة وشاعرا بالأزمنة معالجا قضايا إنسانية ترهقه وتؤرقه.. وإن الوصف لمتعة في كتابات الرجل الذي يحرص على تجديد الأسلوب وتنويع تقنيات الكتابة في لغة سلسة يسهل فهمها رغم اكتنازها بالمعاني... 

لم تكن طريق عبد القادر بن الحاج نصر مفروشة بالورود.. فلقد واجه تحديات مؤلمة منذ طفولته حدثنا عنها في رائعته "غيمات بيضاء.. ما أبعدها !" بدءا بوفاة والدته وأخيه ثم إصابته بشلل الأطفال والذي حرمه من الدراسة مثل أترابه، فكان عذابا نفسيا داخليا لطفل شبه مقعد خشي أنه لن يشفى من مرضه مع معاودة الآلام له حتى بعد العلاج.. لكنه عاش الحياة كما هي يلهو بين دوارات الرياح ويتأمل غيماته البيضاء البعيدة في إشارة إلى أحلامه المستقبلية منتظرا فرج الله.. ثم عرف الفقر و"التسكع" في المدينة بين باب سعدون وسوق الشواشين وكالة القعادين وفندق غزة والطعام القليل من نصف خبزة وكيس حليب حتى أنه كان يفرح بطبخ مكرونة لا تشبه تلك التي يعدها العم عمار في مطعم المدرسة حيث كان الصغار يستزيدونه منها في سباق محموم.. وعاش كاتبنا عذابات الغرام والقصص العاطفية التي تنتهي حتى قبل أن تبدأ مع فتيات شابات أو سيدات أكبر سنا من طبقات مختلفة وكان في عديد المرات يطارد سرابا.. ويتألم لذلك.. كذلك كان اليافع عبد القادر يطارد طموحاته الأدبية والثقافية عبر دخوله نادي القصة، وكان يخاف نظرات كبار القوم وردود أفعالهم حول أعماله لكنه وجد التشجيع خاصة من مصطفى الفارسي.. وبالمثل، كانت تحدياته في مبنى الإذاعة والتلفزة للعمل مذيعا غير أنه وجد الدعم من برنامج "هواة الأدب" مع الكبير أحمد اللغماني ثم قرأ قصته أمام الرئيس بورقيبة في الملتقى الأدبي بسقانص.. أحيانا كثيرة، كان يتألم في هذه اللقاءات فينقم على شخصه في لحظات غضب عابرة ويصف نفسه ب"الشقي" و"الأبله" و"الفرخ".. لكن كل هذه المراحل الصعبة صنعت منه كاتبا صامدا أمام العواصف ويصر على تحقيق أهدافه التي منها شهادة الدكتوراه من السربون حيث أكمل دراسته عام 1979.. وقد نحت اسمه عميقا في الساحة الأدبية إلا أن حظه كان أقل في المسلسلات إذ يروي بألم تفاصيل تحريف قصصه، لكنه يعترف بالجميل للمرحوم عبد القادر الجربي الذي تعلم منه.. ويبقى حمادي عرافة هو أكثر مخرج انسجم معه وسعد بتعامله واحترامه لنصوصه.. وفي هذا الصدد، تعتبر أعمال : الحصاد، الريحانة، وبدرجة أقل "دروب المواجهة" و"من أيام مليحة" الأقرب إلى قلب عبد القادر الذي اشتكى من عراقيل المتنفذين وبعض المسؤولين في التلفزة التي بقي لديها عملان على رفوفها "جمل جنات" و"موسم الحب والغضب" لم ينجزا بعد.. وأمام شراسة المواجهات المحسومة بعضها سلفا، التجأ الكاتب أكثر للكتابة حتى يفك الحصار عن أعماله.. لكنه اصطدم -كغيره- بغابة من الظلام تمثلها دور الطباعة والنشر التي تتعامل مع الكتاب كسلعة تحاول اختصار مجهوداتها والربح فيها دون اهتمام بهموم الكاتب الحلقة الأضعف في العملية والذي أصبح يطبع كتبه على حسابه الخاص دون دعم.. وحتى ما تمنحه الوزارة يستولي عليه الوسطاء والتجار في غفلة من الجميع..

كتب عبد القادر في صحف ومجلات تونسية على غرار "بلادي" و"الإذاعة والتلفزة" و"الفكر" و"قصص".. وقد جمع بعض مقالاته في كتاب "عاشق وطن" حيث تجتمع سلاسة المبنى بجمال المعنى مع حصول الفائدة في مواضيع وقضايا مختلفة فقراءتها أيسر من الروايات والقصص التي تتطلب وقتا وتركيزا...

عين عضوا بمجلة "الحياة الثقافية" والتحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية من 1980 إلى 2008 بصفة أخصائي ثم وزير مفوض...

من أشهر رواياته : صاحبة الجلالة، الإثم، امرأة يغتالها الذئب (قصة مسلسل "الحمامة والصقيع")، مقهى الفن، حي باب سويقة، هنشير اليهودية، أحزان الجمهورية الثانية، من قتل شكري بلعيد، وترجمت سلوى الراشدي إلى الفرنسية روايته "حديقة لكسمبور" وهي الأقرب إلى سيرته الذاتية في الجامعة بباريس في تتمة لسيرته طفلا التي تحدث عنها في "غيمات بيضاء.. ما أبعدها !".. 
ومن أشهر مجموعاته القصصية : صلعاء ياحبيتي، البرد، أولاد الحفيانة، عجمية، زطلة يا تونس، شاشية سطمبولي، سيدة شرقية جدا، بلابل المدينة العتيقة، ...

عبد القادر عرف "مهنا" عديدة لا مهنة واحدة وإن كانت الثقافة تجمع بينها جميعا.. ولعل ذلك من طموحه وولعه الذي هو من روح الفنان.. ومع ذلك اضطر إلى أعمال لم تناسبه في ديوان إحياء أراضي مجردة.. ولعل الصعوبات التي اعترضته تلهمنا الصبر ومواصلة الثبات أمام المطبّات... 

بعيدا عن عالم الآداب، عبد القادر بن الحاج نصر هو إنسان لطيف متواضع وفيّ، يشجع الشباب، لا يحضر الملتقيات الكبرى التي لا تناسب مبادئه ثم يحضر في أبسط مناسبة مع أناس عاديين.. لم يركن إلى الراحة بل ظل صاحب إنتاج غزير كمّا وكيفا ينثر عطر كتاباته على قرائه ويثري الساحة الأدبية بنفائس مخطوطاته بانتظام... 

هذه لمحة سريعة أقرب للتحليل العام منها للتعريف بمسيرة ثرية لكاتب معاصر نالنا شرف لقائه والاستفادة من خبراته.. فهو ليس كاتبا نقرأ له من الورق بل شخص يعيش بيننا بروحه ووجدانه.. 

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة