كان رمضان في الماضي مميّزا أكثر بنكهته الجميلة التي افتقدناها اليوم.. فقد كنا نستعد له ونفرح بقدومه..
رمضان هو فرصة لكسر روتين السنة ورتابة الأيام وجعل النسق مختلفا وجميلا.. لا يمكن لي إلا أن أحبه منذ البداية فقد ولدتُ ليلة النصف منه.. وبعد ذلك، وعيتُ عليه أيام الطفولة في الشتاء وكان له رونق خاص إذ تكون أيامه عملا وجِدّا في المدرسة مع تخفيف في الأوقات بالإضافة إلى تزامنه مع عطلة الشتاء أو نصف الثلاثي الأول في أغلب سنوات الطفولة.. ومن الطريف أن سنة 1997 شهدت رمضانين اثنين هما 1417 وبداية رمضان 1418 هجري.. وكان الأمر غريبا بالنسبة لأي إنسان لا يتصور أن رمضان قد يأتي مرتين في السنة مع عدم تفرقته بين التقويم الهجري والميلادي وفرق 10 أو 11 يوما بينهما.. ثم منذ رمضان 1418 ولمدة 3 سنوات أي من 1997 حتى 1999 كان يأتي الشهر الكريم على سنتين ميلاديتين فنحتفل برأس السنة وسط الشهر بل لقد دخلنا سنة 2000 ونحن في رمضان.. ورمضان 1418 هو الذي جربتُ فيه الصيام لأول مرة وكنتُ على مشارف العاشرة من عمري وقد صمتُ يومه الأول فقط على ما أذكر ولم أجد صعوبة كبيرة في ذلك وعرفتُ أن تخوفاتي قبلها كانت مبالغا فيها.. لعلّي أفضّل رمضان في الشتاء ففيه تكون الأيام قصيرة والأجواء منعشة رغم البرد والمطر.. كان التلفاز هو ملاذنا الأول سواء في النهار وخاصة في الليل فتحلو لنا السهرات أمام الشاشات بعد الإفطار مباشرة وحتى العاشرة مساء تقريبا.. كان الوقت يطول بعد المغرب فلا نبلغ نشرة الثامنة للأنباء ومسلسل السهرة إلا بعد أن شاهدنا عديد البرامج وتحدثنا ولعبنا وشربنا شايا أو قهوة.. كنتُ أعشق الشاي الأحمر منذ صغري وأتناوله باحتشام وبتلذذ وكان ذلك أمرا غريبا بالنسبة إلى الأطفال الآخرين.. الإفطار كان أغلب الوقت في منزلنا لكن في مرات قليلة أفطرتُ في دار الأجداد مع اجتماعات عائلية لا بأس بها.. وعيتُ على رمضان مع تلفزة تونسية رائعة تحترم مشاهديها فتقدم شبكة برامج خاصة بالشهر الكريم.. في النهار نجد الصور المتحركة التي أذكر منها في أواسط التسعينيات بصفة خاصة عبقور وفيكي الفايكنج الفتى العبقري وهي سلسلة نادرة كنتُ قد نسيتُ اسمها وبحثتُ عنها طويلا حتى وجدتُها سنة 2023 أي بعد 30 سنة من مشاهدتها في منزل جدّي ! كان الوقت قيلولة وكنتُ أشاهد هذه السلسلة باهتمام وأعشق كل طاقم السفينة وخاصة ذلك الفتى الذي يجد حلولا للمشكلات بذكائه ودهائه وكان وجهه بريئا وجميلا أكثر من أبيه القرصان وأصحابه.. تمنيتُ أن أعيد الذكريات وأشاهد هذه الصور المتحركة في رمضان لكنني لن أستطيع أن أشاهده في دار الأجداد ولا بنفس فكري وكل الظروف في ذلك الوقت.. طبعا بعدها وعينا على قنوشو وعصافر الجنة مع عواطف الصغروني الدالي والسنافر وغير ذلك كثير... كذلك كنتُ أعشق حرص (ا.ت.ت) على كتابة مواعيد الإفطار بالبلدان الأوروبية في إبانها فنجد عبارات من قبيل "حان موعد الإفطار بكوبنهاغن"... وفي فترة القيلولة أيضا تطالعنا الخبيرة جميلة بالي بدبارات يومية ونصائح منزلية عبر برنامج "البيت السعيد" الذي يأتي في سائر الأيام مرة واحدة فقط في الأسبوع كل يوم سبت.. ولا ننسى المسلسلات السورية مثل "العبابيد" و"الكواسر" و"عودة غوار" الذي تأثرتُ به كثيرا لكنه لم يأت منتظما بالإضافة إلى مواعيد الدراسة فشاهدته لاحقا على قنوات أخرى.. وبالفعل، فقد شهد رمضان 1418 تركيبنا للهوائي لأول مرة وكنا سعداء جدا به فشاهدنا حصص الطبخ مع أسامة السّيّد رحمه الله وبرامج ومسلسلات وحصصا دينية رائعة... لكن لتلفزتنا الريادة في هذا الشهر الكريم فقد كانت لا تبخل علينا حتى بالومضات الإشهارية الممتعة التي نحفظها عن ظهر قلب وتخص الشربة والشامية والياغورت والزبدة والمقرونة والكسكسي وحتى الدهن... كانت ومضات احترافية فيها سيناريو وحوار شائق وهادف فكأننا بصدد مشاهدة سكاتشات قصيرة ممتعة لم تكن تأتي وسط البرامج لتقطعها علينا بل كانت قبلها أو بعدها.. عشقتُ برنامج "حديث رمضان" وخاصة القرآن الكريم الذي يأتي كل يوم مع مقطع جديد مختار بعناية وفيه معنى يتلاءم مع الذكرى التي نمر بها، فقد نجد مقطعا يخص الصيام وآخر فتح مكة وغيره حول غزوة بدر أو بداية نزول القرآن أو ليلة القدر... وتواصل هذا التقليد بعناية أكبر سنة 2007 التي عرضت التلفزة فيها برنامجا يفسر كل يوم المقطع المتلو قبل بثه، وكان كل مقطع لا يقل عن 15 دقيقة بقرار من القناة أيضا مع تنوع القرّاء وعدم الاكتفاء بالكبير البرّاق أو بث تلاوات من الخليج والمشرق بل كانت أصواتا تونسية نشتاق إليها اليوم وكانت تبثّ صوتا وصورة فنرى مراوحة بين صورة المقرئ وتفاعلاته وصورة المصحف حتى نتابع الآيات.. وكم نشتاق للعزيزين المتألقين المنسيين مختار السقانجي وأحمد الشحيمي رحمهما الله واللذان لم يأخذا حظهما في حياتيهما وخاصة الآن.. وستكون حسرة كبرى لو أنهما لم يختما القرآن، ولعل الحسرة أكبر مع عدم وجود حتى مقاطعهما بالكامل وتركها في غبار أرشيف لا نعلم حالته تماما... ولا يفوتنا ذكر عثمان الأنداري وعبد المجيد المامغلي وغيرهما كثير... وأبدا ما أنسى تعلّمي لأسماء الله الحسنى عن طريق لحن المبدع لطفي بوشناق بالإضافة إلى الابتهالات الخالدة "مصابيح الهدى".. ثم إننا كنا نستمتع بمسلسلات بالعربية الفصحى تشبه "جحا" على غرار "دعبل أخو دهبل" و"بنت الخزاف" و"حنظلة أبو ريحانة" الذي كان إنتاجا تونسيا سوريا بالإضافة إلى مسلسلات تاريخية عربية على غرار "هارون الرشيد" و"عمر بن عبد العزيز" وفوازير شريهان ونيللي ذات الأصول الأرمينية والتي تشبه الممثلة "غريسيا كولمينارس" التي أدت بطولة "مانويلا" بالإضافة إلى فطوطة مع سمير غانم.. ولقد اقتبست التجربة تونسيا ولاقت استحسان الجمهور مع ريم الرياحي وعائدة بوبكر وهاجر الستيتي التي مازالت تهانيها بالعيد ترن في آذاننا كما مازلنا نتذكر مذيعات الربط أشهرهن المرحومة نزيهة المغربي وهي تقدم لنا بأسلوب مشوق الفقرة التالية.. وطبعا لا ننسى الطفرة الدرامية التي بقينا نتحسر عليها ونجتر إعاداتها لأننا لم ننجز مثلها إلى اليوم مع مسلسلات جميلة كالدّوّار وأمواج وغادة والحصاد والخطّاب ع الباب والمتحدي وعنبر الليل ومنامة عروسية وريحانة... والمتأمل فيها يجد أن التلفزة العمومية كانت تطرح المواضيع وتنقدها دون خجل وهي صالحة إلى اليوم على غرار غلاء الفواتير والرشوة وفساد الإدارة والتفكك العائلي والخلافات الأسرية وانحرافات الأبناء وظلم الآباء والفقر والصراع على الأرض والميراث والنفاق والعنف والمكائد... كذلك كانت سلسلات في ظاهرها هزلية لكنها ناقدة مثل "عند عزيز" و"شوفلي حل" الذي أصبح أحسن سيتكوم في تاريخ التلفزة بعد أن كان يتعرض لانتقادات وملل من عرضه منذ السنة الثالثة وحتى قبلها.. طبعا لا يمكن إغفال سلسلات فيها اجتهادات رغم هناتها على غرار "دق الباب"، اضحك للدنيا، بالإضافة إلى الكاميرا الخفية مع رؤوف كوكة أو سنين دايمة مع الأخوين اللقاني والفريق المصاحب لهما وقد كانت القناتان للأعمال تنتجان والمُتابع تمتعان.. رمضان هو بيت الصالة التي نشاهد فيها التلفاز ولكنها بالنسبة إليّ فرصة للعب بالبالونات التي يحل موسمها عندي منذ الأيام الأولى للشهر وفي أسوأ الحالات في النصف الثاني فألعب بها في مسابقة سميتُها "كأس الأنبايل" وأعلق على نفسي في مقابلات تصفيات ألعبها كل ليلة وحتى في النهار وتنتهي أيام العيد وطبعا أشتري أفضل الأنبايل التي تليق بهذه المناسبة وأحرص على إتقانها واختلاف ألوانها.. رمضان هو الزلابية والمخارق والحلويات ومحاولة تعلم الطبخ والجلوس حذو صانعات الحلويات ومراقبة أعمالهنّ وربما يذهب أحد الأطفال للمخبزة حاملا طبق (صينية) البقلاوة أو البشكوطو أو غيرها من الأنواع... أما اليوم فكل شيء جاهز وافتقدنا تلك اللّمّة أثناء صنع الحلويات تماما كما افتقدنا العولة وعديد العادات الجميلة...
كنتُ أحب قراءة الجرائد كامل العام لكن أحب بصفة خاصة قراءتها في رمضان وبالتحديد جرائد الصريح والأنوار والشروق... والأخيرة تتفوق على الجميع بملحق بمثابة مرجع يجمع بين العلم والتسلية والتحلية... أقرؤه من الأول إلى الآخر ففيه آيات قرآنية وأحاديث نبوية ودروس وتفسيرات وفتاوى وطبخ وألعاب ونكات ومعلومات ومسلسلات.. انبهرتُ بملحق الشروق أول مرة ولعل عيبه أنه ثقيل مليء بالعلم رغم أنه يقدمه في شكل بسيط جذاب مع أركان التسلية المخففة لتعب اليوم.. والقراءة نفسها في أي موضوع تسلية وترفيه لو كنا نعلم..
رمضان هو دروس عمرو خالد المثير للجدل لكن أسلوبه مشوق وله أفكار جيدة ومجددة وله طريقة جيدة في الدعاء رغم بعض المبالغات.. ولا ننسى صلاة التراويح من مكة أو المدينة وقراءات مميزة خاشعة للحذيفي أو السديس والأسطورة الشريم..
رمضان هو ختم القرآن في دار جدي المختار مقديش رحمه الله حيث يأتي بالشيوخ يقرؤون ويدعون في أجواء روحانية جميلة مع تلك الكتب الحمراء وهي أرباع القرآن (الربع الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع) مع ما تيسر من الأكل والاجتماعات العائلية أو حتى الجيران.. ورمضان هو ختم القرآن في مسجد الرحمة مع الإمام علي شقشوق خاصة ليلة 29 وأحيانا كثيرة كل أسبوع بالإضافة إلى المناسبات الدينية خارج الشهر الفضيل.. وقد تعلمتُ في هذا المسجد التسبيحات بين آيات الختم التي تبدأ من سورة الضحى وكذلك الأناشيد الروحانية والأجواء الجميلة في الجامع مع بعض الدروس الخفيفة والخالية من التعصب بصفة عامة بالإضافة إلى صلاة التراويح التي لا تشق علينا بفضل تلاوة الإمام لقصار السور وعدم إطالته فيها.. وكان المسجد صغيرا نظيفا مريحا والجلسة فيه تشرح الصدر.. ولكن أجمل ما فيه بل أنقى ما فيه هو المقيم والمؤذن العظيم محمّد الكرّاي صاحب القلب الطيب الذي لم ينفك يسأل عني طيلة 30 سنة دون تبديل أو تراخ وظل ثابتا في محبته معي.. كان أهم شخص في المسجد، أما خارج المسجد فقد كان أهم جار وأهم صديق.. وهو الحريص مثل الإمام أو أكثر على ختم القرآن في الجامع وخارج الجامع وهو المساهم الأكبر في الختم في كل مرة تقريبا.. مجرد السلام عليه حتى في الشارع تحسسك بطيبة قلبه وحسن معشره.. هو ولي صالح بأتم معنى الكلمة شاهدناه مباشرة ولم نقرأ عنه في الكتب التي ربما يتم فيها التضخيم أو التعظيم لكن هذا الرجل شاهدناه مستقيما وجميلا بحق.. كانت أجواء المسجد رائعة وحميمية بين جيران الزنقة وكان الفضاء الصغير يلمّنا ويقرّبنا أكثر حول درس أو صلاة أو قرآن.. وكان الوقت يمر مسرعا وسهلا في صلاة التراويح التي كانت عندي أمتع وأسهل من كل صلاة رغم استمرارها أكثر من ساعة ونصف.. وطبعا كان اكتشافي أيضا للإمام إبراهيم تقتق في جامع السعادة ثم لاحقا أتى لمصلى الزنقة ليلقي فيه دروسا وكان لطيفا ظريفا خفيف الظل تتعلم منه ويعجبك كلامه ومنطقه ومعشره.. لم نكن نملّه وكنا بسهولة نفهمه.. ولا ننسى المؤذن وناثر العطر على المصلين رضا عبد المولى الذي كان حسن التعامل مع كل الناس..
وكأن الجامع أو كل الجوامع أصابتها لعنة بعد 2011 تماما كما دار الأجداد في بداية الألفية كما التلفزة الوطنية كما العادات والعلاقات والقلوب والأرواح.. وكأن الزمن غير الزمن والناس غير الناس مع افتقادنا للظروف الحسنة التي كانت تجمعنا أو حتى للأرواح الجميلة التي كانت معنا.. إلاهي ليتنا نجدد العهد مع تلك اللحظات الصادقة على هنّاتها وبساطتها... رمضان اليوم باهت وخافت كثرت فيه التشكيات والتشنجات وضعفت فيه النكهات الروحية وحتى الفيزيائية فلا طعام صحي أو شهيّ دائما ولا اجتماعات عائلية أو مسامرات مسجدية ولا روحانيات عالية ولا برامج تلفزية ممتعة إلا القليل.. نحاول أن نحتفل بالشهر ونفرح به لكننا لا ننجح دائما... فهل من عودة لزمن الجودة ؟

تعليقات
إرسال تعليق