منذ 1976، عمدت فرنسا إلى تغيير الوقت الطبيعي الموافق للشمس ثم تبعها كل الاتحاد الأوروبي وأصبح ذلك قانونا منذ 1998 بدعوى الاقتصاد في الطاقة في إجراء بعيد عن العقل والمنطق.. إذ كيف يبذل العلماء مجهودات جبارة لتحديد توقيت كل بلد حسب خطوط الطول للكرة الأرضية fuseaux horaires لتأتي مجموعة من الأشخاص وتبطل قانونا علميا طبيعيا بدعوى عدم صلوحيته.. فالغرب الغريب يؤمن بالعلم والدقة وهو يعلمنا الحرية والديمقراطية، فكيف يقوم بهكذا إجراء غصبا عن مواطنيه الذين تذمروا منه في نتائج استبيان رسمي سنة 2018 تم فيه سؤال 4.6 مليون أوروبي أكد 84 % منهم رغبته في إنهاء هذه التجربة التي أكد 76 % منهم أنها كانت "سلبية" أو "سلبية جدا".. وبينما يرغب 56 % من الأوروبيين في المواصلة بالتوقيت الصيفي طيلة السنة على غرار فرنسا والبرتغال وقبرص وبولونيا، يفضل 32 % منهم العودة إلى الزمن الأصلي مثل فنلندا والدنمارك وهولندا.. علما أن المواطن يعيش مفارقة غريبة بين غروب الشمس في حدود الرابعة مساء في الشتاء لتصبح العاشرة ليلا في الصيف.. وقد أوضح العلم أن تزييف وقت الطبيعة يتسبب في اضطرابات النوم، حوادث مرور، اكتئاب، إرهاق، ضعف التركيز، لخبطة في المؤسسات منها شركات الطيران والمطارات، المباريات الرياضية، البنوك، المهرجانات، تحيين صعب في ملفات المستشفيات وفي كل الملفات والساعات في عديد المجالات.. والجميع يعاني خاصة الأطفال والشيوخ.. أما الفلاحون فيواصلون العمل بالتوقيت الشمسي في أعمالهم المختلفة (الري، تقديم الطعام للحيوانات ورعايتهم، حلب الأبقار، ...) وكذلك الصلوات الدينية.. ثم إن هذا الإجراء كان بسبب أزمة البترول في السبعينيات ومن المفترض لفترة الصيف فقط، فكيف يصبح الاستثناء قاعدة تمتد 7 أشهر أي أكثر من نصف السنة ؟
هذا وقد أثبتت بحوث رسمية في البرلمان الأوروبي أن نجاعة الاقتصاد في الطاقة محدودة جدا وتتراوح بين 0.5 % و2.5 % حسب البلد.. علما أننا نستعمل مصابيح LED وغيرها من تقنيات الاقتصاد بالإضافة أننا نستهلكها لمدة 24 ساعة ولا نتوقف عن ذلك في الليل نظرا للطفرة التكنولوجية وتغير نمط عيش المواطنين نحو أكثر رفاهة واستعمالا للآلات ووسائل النقل والترفيه المختلفة عما كان عليه الحال في السبعينيات : هواتف ذكية، حواسيب، أجهزة إنذار، سيارات كهربائية، سهر وقلة نوم، سفر ورحلات، نزل ومطاعم ومقاهي فاخرة، مكيفات، مصانع بتقنيات حديثة، مباريات بتقنيات الفار وتحديد الخطوط وكاميرات عالية الجودة، كذلك في الإعلام الذي يعمل 24 ساعة عكس السبعينيات كمحطات التلفزيون والانترنت، وغيرها من أساليب العيش الحديثة المستهلكة للطاقة... علما أن العالم أصبح قرية صغيرة، لا تكف فيها الحركة ليلا نهارا وهكذا إجراء لا يقتصد بل بالعكس، فالذي يتابع الأخبار أو الرياضة في منطقة مهمة جدا من العالم وهي الشرق الأوسط وآسيا سيزيد ساعة أخرى على ما كان عليه في الشتاء فمثلا حصاد اليوم الإخباري الذي كان على الساعة التاسعة سيصبح العاشرة..
وبالفعل، كان البرلمان الأوروبي يعمل على إنهاء هذا التلاعب سنة 2018 وأقرّ إنهاء تغيير التوقيت انطلاقا من 2021 ريثما تتفق الدول الأعضاء وتنسق بينها في توقيت موحد أو يلائمها وتعمل به طيلة السنة.. ولكن كل ذلك توقف وتجمّد ولم يعد أولوية مع حلول وباء الكورونا والصراع الروسي الأكراني وتوسع ذلك إلى حرب شبه عالمية مع الصراع الفلسطيني الإيراني الإسرائيلي الذي لم يجدوا له صيغة توافق منذ أكثر من 100 سنة ! علما أن فرنسا متقدمة على توقيتها الطبيعي بساعة في الشتاء وبالتالي فهي متقدمة بساعتين في الصيف وذلك منذ الحرب العالمية الثانية حتى تنسق مع ألمانيا !
يذكر أن 70 دولة في العالم تواصل هذا الإجراء المقيت.. بينما عدلت دول أخرى عاقلة عنه مثل تونس، مصر، الصين، أكرانيا، روسيا، تركيا، جنوب إفريقيا، سوريا، الأردن، الأرجنتين.. وكلنا يتذكر التجربة المريرة التي عشناها في تونس بين 2005 و2008 مع تشبيه الصحفي المبدع المرحوم عبد الرؤوف المقدمي لها ب"الزائدة الدودية لا تنفع الجسد في شيء، ولكنها تؤلمه في كل شيء، فإذا تم استئصالها ارتاح ونشط وأقبل على الحياة، وإذا ظلت في مكانها تداعى بالسهر والحمّى !... وربيع هذه الساعة يعني خريف راحتنا. وفي الوقت الذي تينع فيه هي تموت خلايا النشاط البدني وتتبعثر خلاله كل الحواس، فتصيبها الفوضى ويهجم عليها الكسل ويغشاها الضجر الذي ينعكس بالطبع على ميدان العمل والإنتاج."
فماذا ينفع أوروبا أن تجعل المغرب على الساعة العاشرة ليلا مع حرارة مرتفعة نسبية وعدم رغبة في الأكل والنوم قبل وقت معتاد سيتأخر على الأرجح..
إنه إجراء غير أمين يفسد صحة الناس وحياتهم حتى دون قصد.. والديمقراطية هي أن نستمع لمشاغل الناس ومصالحهم، وقبل كل شيء نحمي الطبيعة والمحيط...
المشكلة ليست في التوقيت بل في نمط العيش إذ يجب العودة إلى النشاط الطبيعي : النوم العميق مبكرا يتبعه آليا الاستيقاظ المبكر، ممارسة الرياضة، تنظيم أنشطتنا حسب توقيت الشمس، الحد من الاستعمال الوحشي للتكنولوجيات الحديثة فحتى في قراءة كتاب نستعمل الحواسيب... منتصف النهار يجب أن يكون فعلا منتصف النهار وكذلك منتصف الليل والقيلولة والشروق والغروب... مرة أخرى، العيب ليس في الطبيعة بل في الإنسان الحديث.. أعينوه على العودة لجذوره كما كان أجداده دون إنكار التطور العلمي والتكنولوجي الذي لا يمكن لنا إيقاف استعماله ليلا أو نهارا ولكن تنظيم فوائده وغاياته... كونوا حكماء وعقلاء واعدلوا عن هذا الإجراء الذي يرهق أوروبا بل كل العالم وارجعوا إلى توقيت موحد صيفا وشتاء في انتظار وحدة بشرية إنسانية كونية..

تعليقات
إرسال تعليق