الدوري الانجليزي الممتاز.. الأفضل في العالم

 
يُجمع أغلب متابعي الرياضة حتى لا نقول كلهم على أن الدوري الانجليزي هو الأجمل والأفضل في العالم.. ونحن بدورنا نوافقهم الرأي بل نضيف عليه أنّنا نعشق الكرة الانجليزية التي نراها طارت إلى كوكب آخر مقارنة بباقي المنافسات حتى رابطة الأبطال الأوروبية.. وكلنا يذكر أن ليفربول لم يفرح بأغلى المسابقات سنة 2019 مثلما فرح بلقب الدوري عام 2020.. ليس فقط لأنه انتظر 30 سنة لإحرازه ولكن لأن إحراز بطولة انجلترا غال وشاق أكثر من أي لقب آخر في ظل منافسة قوية وشرسة إلى آخر رمق هناك..

في انجلترا، هناك "سحر" كروي لا مثيل له يبدأ من الملاعب الأجمل في العالم فهي زربية خضراء يلتهمها اللاعبون بركضهم ومجهوداتهم دون أن تفسد.. الملعب في انجلترا ليس أولمبيا في الغالب فيكون الجمهور ملتصقا بالمرمى أو بخط التّماس فهو أقرب ما يكون للعبة.. جمهور يهتف بأهازيج عالية منوّعة ومستمرة، تكون مستحسنة ومدروسة تتفاعل مع اللّعب وتضفي أجواء جميلة على المباراة، حتى إذا غضب يكون ذلك بنبل ودون شغب ويتم التعبير عن ذلك بومضة تصفير غالبا.. وكذلك اللاعبون فنادرا ما يحتجّون وهم بالروح الرياضية يتحلّون.. الملعب في حد ذاته يساعد الرياضيين على تقديم كرة جميلة، ولكن أيضا زوايا التصوير وطريقة وضع الكاميرات رائعة إذ تكون عالية وتعطي رؤية واضحة للميدان وفي نفس الوقت دقيقة وملتصقة باللاعبين والكرة وذلك بفضل كثرتها وتنوع أماكنها.. نتحدث عن هذه الخاصية الفريدة منذ أكثر من 20 سنة وليس الآن مع التطور التكنولوجي ووجود خيوط ومحامل للمصورات داخل الميادين في جميع المسابقات، ومع ذلك فالدوري الانجليزي مازال الأميز في الصورة.. فربما يكون اللعب عاديا، ولكن طريقة التصوير تبهرك في حد ذاتها، فكيف إذا قلنا إن اللعب في أغلب الأحوال يكون جميلا وممتعا وفي أقل الحالات مثيرا ومشوقا وذلك بفضل اعتماد السرعة والمهارة والاندفاع البدني واللعب الرجولي المسموح به من الحكام هناك فليس كل مسك وكل تدخل مخالفة، وليس كل لاعب يسقط يمنح ركلة حرة، ونجزم أننا نشاهد محاولات على المرمى كل دقيقتين كمعدل في الدوري الانجليزي، فالتحول من الدفاع إلى الهجوم أو العكس يتم بنقلتين أو ثلاث رغم أنهم أنقصوا من الكرات الطويلة التي كانت خاصية لهم سابقا وأصبحوا يستعملون الكرات القصيرة مع بعض هفوات تبدو أحيانا ساذجة في إرجاع الكرة أو التمرير أو الاستلام نظرا لسرعة النسق يضاف إلى ذلك اعتماد اللعب الهجومي بعيدا عن إغلاق اللعب والدفاع وسد المنافذ وخطط التسلل والتكتيكات السلبية التي هدفها فقط عدم قبول هدف ثم مباغتة المنافس للانتصار عليه بأقل مجهود.. فرغم رغبة الانجليز بالفوز، ليست لديهم حسابات للربح والخسارة بل همّهم تسجيل أكثر ما يمكن من الأهداف والاندفاع والروح العالية حتى لو قبلوا هدفا من هجمة معاكسة.. ولهذا كثيرا ما نشاهد نتائج من قبيل 3-2 أو 4-3 وحتى أكثر ونادرا ما نشاهد تعادلا سلبيا.. في إنجلترا، هناك تنافس كبير وتقارب في المستوى بين كل الأندية فعادي جدا أن ينتصر صاحب المرتبة الأخيرة على صاحب الصدارة ولهذا تكون كل المباريات حماسية وغير قابلة للتكهن مسبقا وكأنها مباريات كأس.. وفي إنجلترا، لا يضيعون حتى ثواني، فاللاعب لا يمثل دور المصاب ولا يتباطأ في القيام بعد احتكاك مع المنافس، فإن أُصيب وذلك يحصل نادرا رغم اللعب الرجولي، يخرج بسرعة من الميدان، وكذلك تغييرات اللاعبين تكون في وقت وجيز.. ويبقى الفار هو الأبطأ والأكثر استهلاكا للوقت هناك.. هذا الوقت الكروي الذي يحترم في بلادهم كما لا يحترم في أي مكان آخر فتجد زمن اللعب عندهم الأكثر ارتفاعا فلا مجال للتقطعات ولإضاعة الأوقات ولا حتى للعب السلبي والتمريرات بين الأصحاب في منطقة ضيقة وجلب المنافس ولا يوجد عندهم البدعة التونسية المسمّاة بجسّ النبض في بداية المباراة ولا المحافظة على النتيجة وعدم المجازفة، واللعب على الكرات الثابتة وما شابه ذلك من الحيل والخزعبلات التي أفسدت الرياضة في كثير من بلدان العالم... فإذا ضاعت دقائق معدودة، تُحتسب كاملة في الوقت بدل الضائع الذي لا يفلت شاردة ولا واردة في المباراة فيصل إلى 9 دقائق أو أكثر وذلك كما أوصى به قانون كولينا في كأس العالم 2022 والذي لو طُبّق في دول أخرى، لكان علينا أن نلعب مباراة أخرى حتى نجبر الوقت المهدور والذي يتواصل إلى آخر لحظة فترى الحكم هناك مجبرا على احتساب الوقت الضائع من الوقت بدل الضائع ولكنه في الغالب يستسلم ويعلن نهاية المباراة الضائعة مع لاعبين ضائعين ! الوقت في انجلترا يأخذ أبعادا أخرى فوق العادية، فهم يمتازون بخاصية دون كل العالم، إذ يلعبون حتى في حفلات آخر السنة، بل يكثفون اللعب تعبيرا عن احتفالهم في ما عُرف بيوم الهدايا Boxing Day أو Festive Fixtures، فالرابطة الانجليزية تعتبر أن المباريات الجميلة هي هديتها للجماهير في أعياد الميلاد فنشاهد مساءات وسهرات متتالية رائقة ويمكن للمحب أن يشاهد 3 مباريات على الأقل لفريقه خلال أسبوع واحد في هذه الفترة في تقليد فريد هناك يشمل الدرجات الأربع المحترفة.. ولا غرابة إن قلنا إنّ مباريات الدرجة الأولى الانجليزية Championship في تسمية بليغة لصعوبتها مقابل كنية الدرجة الثانية في الدول الأخرى لا تقل إثارة عن الدوري الممتاز بل إنه من الصعب على فريق أن يفوز بها أو حتى يحل ضمن الست الأوائل المنافسين على الصعود للدرجة العليا.. علما أن هناك بطولة مصغرة بين أصحاب المراتب الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة في شكل نصف نهائي فنهائي بمثابة المباراة الفاصلة التي تعتبر الأغلى في العالم حتى قبل دوري أبطال أوروبا ! فالصاعد للدرجة الممتازة قد يكون صاحب المرتبة السادسة في الدرجة الأقل، وكذلك نجد 9 أندية انجليزية تشارك في المسابقات الأوروبية المختلفة حتى أن الواصليْنِ إلى نهائي كأس الاتحاد الانجليزي في 2025 كانا صاحبي المرتبة 16 و17 وهما مانشستر يونايتد وتوتنهام ! فهل هناك تأكيد أكثر من هذا على قوة هذا الدوري الذي جعل من أقل فرقه تتفوق على أندية أوروبية في صدارة مسابقاتها ؟! بل إنني ومنذ أكثر من عقدين أعتبر أن مباراة وسط ترتيب في انجلترا أفضل من أعلى الترتيب في دول أخرى إن لم يكن على مستوى الأهمية فعلى مستوى النسق على الأقل ! وهنا وجبت الإشارة أن الإثارة لا تشمل الدوري الانجليزي فحسب، بل كل المسابقات الانجليزية الممتعة مثل كأس أنجلترا وكأس الرابطة رغم أن بعض الجمعيات تشارك بلاعبي الصف الثاني خاصة في الأدوار الأولى ! ومن أسباب النجاح أيضا أن الاتحاد في بلاد الضباب يدعم الأندية ويوفر عائدات مالية محترمة لها، وهناك عقود استشهار وحسن توزيع مرابيح دخول الجماهير وحقوق البث التي تعتبر الأغلى في العالم، كل ذلك مع حسن تصرف الأندية ووفاء محبيها ووجود عديد الطرق للتسويق وكسب المال الحلال.. وهنا نقول المال قوام الأعمال بشرط أن ترافقه الموهبة والذكاء والحكمة !

يطول الحديث عن إثارة الكرة الانجليزية التي تبقى لها سلبية واحدة وهي سوء برمجة المقابلات إذ كثيرا ما تجتمع قمم هامّة في نفس التوقيت.. وهذا أمر غريب.. فلو كان لي دوري سحري عظيم مثل الانجليزي لجعلتُ كل مباراة في توقيت لضمان أكبر متابعة ولو أن ذلك غير ممكن دائما، فلا أقل من الفصل بينها أكثر ما يمكن وجعل الجمهور يستمتع بأكبر عدد من لقاءات بلاد الكرة عن جدارة ! فعلا إنجلترا هي التي جاءتنا باللعبة الشعبية الأولى في العالم وهي أكثر من يحافظ عليها من التلف وفساد النسق وتراجع الفرجة وسيطرة المادة والحسابات عليها.. فشكرا لإمتاعنا !  

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة