أيمن دحمان.. المتألق المحظوظ

بعد المردود الكارثي لحارس المنتخب الوطني في كأس إفريقيا الماضية، يحق لنا أن نتساءل ونعود قليلا إلى الوراء لاستخلاص العبر.. فمسيرة أيمن دحمان تثير الكثير من اللغط.. إذ بدأت أول مرة بتشريكه مع النادي الصفاقسي سنة 2017 مع رود كرول في مقابلة حاسمة للكأس العربية خسرها أبناء عاصمة الجنوب بعد خطإ فردي كارثي للحارس الذي لم يتمكّن من مسك الكرة بيديه وأفلتت منه.. وقتها قلنا إنه حارس شاب مبتدئ، وحرام أن نقسو عليه.. وبالفعل، أعاد الفريق التعويل عليه في المقابلة الموالية، فكان مردوده جيدا.. حينها قالت بعض وسائل الإعلام الجهوية : خسرنا المباراة العربية لكننا ربحنا حارسا كبيرا عندما جددنا له الثقة ولم نحطّمه.. ثم بدأ بالفعل يشق طريقه ويتألق مع بعض الأخطاء من حين لآخر يراها البعض عادية.. وفي الأثناء، كلما أصيب دحمان أو عوقب أو غاب لسبب من الأسباب إلا وتألق معوضه كأحسن ما يكون على غرار صبري بن حسن أو محمد الهادي قعلول الذي مكن الفريق من الفوز بكأس تونس وكان حاسما في ركلات الترجيح.. لكن بعد كل تألق للاحتياطي، يعود دحمان الأول.. ثم وقع استدعاؤه للمنتخب فكان يخطئ ويصيب وكنا في حيرة من أمرنا لأن مردود كل الحراس متقارب وكلهم يبدعون ويخطئون في نفس الوقت إلى أن استقر الرأي أخيرا على دحمان للمشاركة في مونديال 2022.. وبالفعل، قدم مباريات طيبة.. وعاد للنادي الصفاقسي وكان أداؤه مقبولا إلى أن جاءه عرض من نادي الحزم السعودي لم يتردد أيمن في قبوله، ثم كانت النتائج العريضة التي انهزمت بها الجمعية التي قبلت في إحدى المباريات 8 أهداف، فراح بعض الجمهور والمحلّلين يبررون ذلك بضعف دفاع الفريق السعودي وكأن الحارس وأحباءه يقولون : "أيها المدافعون تدخّلوا بحزم ولا تتركوا أي كرة تصل لي وأنا أعدكم أنني لن أقبل هدفا واحدا !".. وبسبب هذه النتائج الكارثية، هبط نادي الحزم إلى الدرجة الثانية، وقرّر دحمان العودة لصفاقس فوجد مكانه حاضرا، وعاد المتألقان قعلول وبن حسن إلى الاحتياط حتى أن الثاني أُجبر على الرحيل فكان الحارس الأول للنجم الساحلي ونجح كثيرا في مبارياته معه.. علما أن الحزم السعودي عاد إلى الدرجة الأولى في الموسم الموالي مباشرة.. في الأثناء، ساهم دحمان في خروج النادي الصفاقسي من كأس الكنفدرالية الإفريقية وقبل أهدافا ساذجة في عديد الأوقات حتى أن الناصر البدوي لامه أنه عوض أن يتقدم عند الارتماء لصد مخالفة كان يدخل إلى الشباك فدخلت الكرة معه.. ولكننا كنا نقول إن موسم 2024 - 2025 كارثي لكل الفريق ولا مجال للوم الحارس وحده.. وبعد ذلك، عاد للمنتخب وأجرى مباريات جيدة وبقيت شباكه نظيفة لفترة طويلة في تصفيات كأس العالم ولكنه أعاد مفاجأتنا في الكأس الإفريقية المغرب 2025 وقَبِلَ بسذاجة 6 أهداف في أربع مباريات ولم يتمكن من صدّ أي ركلة من ركلات ترجيح مالي وكان بإمكانه أن يكون حاسما وينقذ الفريق في مباراة نيجيريا بصدّ أحد الأهداف الثلاثة وكذلك في مباراة تنزانيا التي انتهت بنتيجة 1-1 وحتى في مباراة مالي في الدقائق الأخيرة لما قبلنا هدف التعادل وكان في كل مرة يعود إلى خطئه الأول وهو عدم القدرة على مسك الكرة وإفلاتها من بين يديه ! 

فالمتأمل في سيرة هذا الحارس يجد أن أداءه كان متذبذبا، إذ ما إن يغريك بحضوره بل يبهرك أحيانا كثيرة حتى يعود إلى سلسلة أخطاء فظيعة، ثم يعود فيتألق لكن لا يستمر.. بالإضافة إلى ذلك، كان يفتعل بعض المشاكل أحيانا ويحتج ويقوم ببعض الحركات، وكانت الجماهير خاصة في صفاقس تبرر له ذلك وربما تنفيه رغم أنه قائد فريق وكان حريّا به أن يهدّئ الأجواء لا أن يشعلها بل لقد حصلت سابقة أو على الأقل نادرة في تاريخ كرة القدم إذ أعطاه الحكم ورقة حمراء ولكن الفريق تمكن من إلغائها ليلعب في المقابلة التالية مباشرة وهو أمر ومزيّة سريعة لم تحصل حتّى للأسطورة كريستيانو رونالدو الذي ظل فترة يشك أنه لن يلعب المقابلة الأولى في كأس العالم الأخيرة له لأنه أقصي في مباراة التصفيات إثر استفزاز من المنافس لم يشفع له عكس مبرّرات أحبّاء أيمن الذين وصل الأمر ببعضهم إلى القول إنه لم يفعل شيئا بتاتا والحكم كذب عليه.. وعلى فرضية ذلك، لا نعلم أنه يتم الرجوع عن عقوبة الورقة الحمراء في أسبوع واحد إلا لدحمان حتى وهو مظلوم.. أخيرا، عديد المدربين تبدّلوا وتلقّوا الشتائم بسبب إصرارهم على تشريكه من كرول وخاصة دوس سانطوس وسامي الطرابلسي الذي اتُّهم بتفضيل لاعبي جهته على غيرهم... 

نحن لا نكره أحدا ولكن هذه معطيات حقيقية وقعت على الميدان يا دحمان.. ومع ذلك، لو سلّمنا بأنّ كل من يخفق يجب أن يعطى فرصة أخرى ونصبر عليه حتى على حساب فريق ومنتخب وطني أحيانا، لماذا لم تتعامل تونس وخاصة صفاقس بنفس المنطق مع كل مجتهد أو حتى نصف مجتهد يخطئ مرة ويصيب مرات ؟ لماذا لا نساند كل إنسان جيد قد تحدث له كبوة ؟ بل الأدهى والأمر أننا لا نساند الجيد الذي يكاد لا يخطئ تماما مقابل منحنا الفرص لغيره وهم مثله أو أسوأ منه.. ما يحصل مع دحمان يحصل كثيرا في التعليم والثقافة والفن والأدب والإعلام وغيرها من المجالات في تونس حيث تتفوق الموالاة والمحاباة على الكفاءات... 
ولو بقينا في الرياضة، لماذا قسونا على أمان الله ممّيش الذي أخطأ فتمّ الاستغناء عنه في الفريق والمنتخب رغم حداثة سنه وإظهاره مردودا باهرا واعدا في بداياته ؟ لماذا لم نعامله مثل أيمن ؟ بل لماذا لم نعامل بقية الحراس مثل دحمان وهم قد يتفوقون عليه أحيانا على غرار البشير بن سعيد وصبري بن حسن وعلي الجمل وسيف الدين الشرفي وغيث اليفرني وأشرف كرير ومحمد الهادي قعلول ؟ علما أن كل شخص يذهب إلى مكان آخر، لا يكون مرحبا به بالضرورة حين يعود.. وهنا، ومع رغبتنا في تحميل كل إنسان مسؤوليته، وإيماننا بقيمة البذل والعمل، ألا يحق لنا أيضا أن نقول "إذا سألتم الله فاسألوه البخت" وأن الحياة حظوظ تَمْنَح للبعض ما لا تمنحه لآخرين ؟ 

المقصود بكلامنا ليس دحمان في حد ذاته والذي لا ننكر له تألقه عديد المرات، ولكنها سياسة محاباة لم تنفعنا كثيرا حتى أنني أذهب إلى أبعد من التفسير المعروف للوساطة لتفسير آخر في الرياضة أو غيرها من المجالات : فمن يفضّلونه هو جيد لكنه جيد أخذ فرصة، بينما هناك جيد آخر لم تعط له نفس تلك الفرصة.. وأسوأ من ذلك أن نحطم الجيد ونقرّب الرّديء، ولنقل إن دحمان هو من المثال الأول أي أنه جيد أخذ مكانا قبل جيدين آخرين مثله وأحيانا أحسن منه.  
  

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة