بوك احْمِدْ التركي... بستاني الطفولة المحبوب


احمد التركي أو بوك احْمِدْ كما تحلو لنا تسميته هو البستاني الرئيسي لجدي المختار مقديش.. جدي الذي له عديد الحقول الشاسعة مع زوجته خدوجة البرشاني وأخواتهما مما يتطلب وقفة مستمرة طوال السنة.. كان بوك احْمِدْ في كثير من الأحيان بطل المهام الصعبة فتراه مكلّفا بحراسة جنان الأفران وبورة بوثدي وزيتون سيدي عبد الكافي وغيرها من الأملاك البعيدة عن الأنظار في وقت كان فيه الأمان أكثر من أيامنا هذه لكن الحيطة تبقى واجبة.. 

كان يسهر على جمع اللوز في الصيف في الحقول الكبيرة التي تملكها عائلاتنا فكانت مهمة شاقة تتواصل أكثر من شهر، وكان يضع الكميات المجموعة في أكياس قد يتوسّدها ويبيتُ معها في العراء منتظرا حلول اليوم الموالي لمواصلة النشاط في نفس الحقل أو التوجه للحقل التالي، حتى إذا فرغ من عمله، يوصل الأكياس المليئة بحبات "الزّلّوز" المباركة إلى دار جدي ليقشّروها ويكسّروها ويشمّسوها، وكان ذلك يتطلّب أمانة ونظاما إذ على البستاني أن يقول هذه الأكياس من الحقل الفلاني لصاحبه الفلاني فلا يخلط بين المحاصيل ويأخذ كل ذي حصاد حصاده.. وفي هذا الصدد، أذكر أنني ركبتُ معه كرّيطته من منزلنا إلى دار جدّي حيث أَوْصَلَ لهم صابة حقلنا فكافأني جدّي رحمه الله ب5 دنانير كاملة فقط لأنني رافقتُ بوك احمد ! كنتُ أعشق امتطاء كرّيطته حتى أنني أركبها معه مسافة قصيرة لأعود راجلا إلى المنزل في عملية حسابية خاسرة ومتعبة ربما لشخص آخر لكنها كانت متعة لي ! كان بوك احمد من فخّاربكري، صحته جيدة عموما رغم أنه يتعب ويكهد بل لعل عمله كان بمثابة "الرياضة" وتلك من أسرار الجسم السليم بالإضافة إلى النوم باكرا والاستيقاظ باكرا والعيش البسيط بعيدا عن الضغط والغضب والأكل الصحي طبعا.. وفي هذا الإطار، أذكر له طرفة حكاها لنا إذ في إحدى المرات التي كان يجمع فيها اللوز، لسعته عقرب فما كان منه إلا أن شرب 5 لترات من زيت الزيتون ثم عاد إلى سعيه وكأنّ شيئا لم يكن !      

ومن بين كل الأعمال التي كان يقوم بها كانت أحبّ أوقاتي وأجمل ذكرياتي معه حين يأتي ليحرث الأرض.. كنتُ أحب فيه نشاطه وتبكيره في الشّغل إذ يأتي مع تباشير الفجر.. ولطالما كانت السعادة تغمرني حين أتابعه من قريب حين يحرث الأرض.. كنتُ أحبّ متابعته سطرا سطرا دون كلل أو ملل فكأنني أشاركه العمل.. إنّ من أجمل المشاهد عندي حين أرى المحراث يخترق الأرض ويشقّها فيفتّتها ويقلبها ويخرج منها هواءها، فتتنفّس وتخرج الطوب والدود والسماد المخفي والتراب الطري بعد أن كان متحجّرا متيبّسا.. وكنتُ أحبّ رفع حفنات من التراب النّديّ المبلّل وتحسّسه في يدي وعصره بين أصابعي وشمّ رائحته اللذيذة وهو ما يعبّر عنه بالثّرى.. والثّرى يعكس الأرض الصافية النّقيّة الثرية التي أشبّهها بحبّات سميد أو كسكس أو زمّيط مبلّل، أمّا أعشاش النّمل فكنتُ أعتبرها حبّات محمّص ! كنتُ أحبّ رؤيته من أول سطر إلى آخر سطر وأتمنى لو لم ينته.. وكثيرا ما كنتُ ألحق متأخرا ولكنني أستمتع بالمشهد الذي كنتُ أتابعه على طريقة المخرجين المحترفين، فتراني أنوّع زوايا النظر : فتارة أكون خلفه فأراه يبتعد رويدا رويدا، ثم أعكس الزاوية فأكون في آخر السطر وأنتظر قدومه فيبدأ بالاقتراب مني شيئا فشيئا، وأحيانا أكون في أعلى السطح فتكون الصورة بانورامية كاملة.. كنتُ أعتبر نفسي مصوّرا بجدّ، ولعل هذا من غرامي الأول والأزلي بالإعلام فنيا وتقنيا.. وأجمل زوايا التصوير بالنسبة إليّ على الإطلاق والتي كنتُ أُكْثِرُ منها هي المشي معه جنبا إلى جنب ومتابعة المحراث في نفس الخطّ فتراني أمشي وأجيء وكأنني أحرث معه.. إنها لفرحة وغبطة ونشوة ومتعة وإثارة وجمال وعلم ومعرفة واكتشاف كل لحظة أتابع فيها المحراث، وأحيانا الحرّاث والدّابّة.. لم يكن بوك احْمِدْ يتبرّم من ذلك ولم يكن يسألني أي سؤال فضولي أو يقول لي كلاما غير لائق.. كان صامتا هو وأنا والدابة فلا صوت يعلو فوق صوت المحراث والعمل إلا تلك الكلمات السحرية الرّنّانة وهي رموز تَخَاطُب بين الفلّاح ودابّته والتي فهمتُها أكثر مع الوقت مثل "اِرْ"، اِطْلَعْ، شاش... بالإضافة إلى تحريك اللسان لدعوة البغلة للانطلاق أوالإسراع، وأحيانا يكون التخاطب عاديا كما بين الناس بعبارات مثل "دور"، ايه، اسمع الكلام، ... فكانت تلك الكلمات خليطا بين دعوة لطيفة وحثّ أو أمر ونهر وزجر، وقد يخالط كل ذلك ضرب عادي غيرمبرح بما يشبه السياط على ظهر الدابة التي لم يكن بوك احْمِدْ معها عنيفا بل يكافئها عند نهاية العمل بحشائش وسطل من الماء، وأجمل من ذلك بأن تتمرّغ على التراب فتستلقي وتتقلّب على جنبيها الأيمن والأيسر في حركات متسارعة تشبه التحرّر من عبء العمل وكأنها تغتسل وتختلط بالتراب الطّريّ حتى تنعش جسدها بعد الجهد والعرق.. كان بوك احمد متقنا وسريعا في عمله في آن واحد فتراه يكمل ربع هكتار في 3 ساعات على الأكثر ويغادرنا حوالي الساعة العاشرة صباحا.. وعكس بقية العملة، لم يكن من أحبّاء الشاي والقهوة والاستراحات المطولة المتكررة بل كان ديناميكيا يريد إنهاء مهمته.. فإن أعطينا له شايا أو غير ذلك لم يرفض وإلا فهو لا ينقطع عن سعيه المشكور.. هذا من أهم ما بقي لديّ منه في زمن الطفولة لأنه انقطع عن العمل بعد تقدمه في السّنّ وحرمني من الاستمتاع به أكثر فكانت آخر زيارة له لنا يوم الأحد 29 ديسمبر 2002.. ومن عجائب القدر أننا أكرمنا وفادته أكثر فأكثر وأطلنا الحديث معه وكأننا كنا نستشعر أنها المرة الأخيرة ويال الألم ! يومها أعطاني حكمة لن أنساها وكأنه كان يودّعني فقال لي : "الحياة والعمر والسنوات مثل هذه السطور نمضي فيها واحدة واحدة حتى تنتهي !".. يومها فطرنا معه كسكسا وقدمنا له بعض المأكولات والمشروبات، وكان الكلام لطيفا جدا معه بينما هو ونحن قليلو الكلام في العادة.. لم يكن يشترط شيئا في ظروف العمل ولم يكن حتى يشترط علينا الأكل من الأساس فضلا عن نوعية الأكل ولكنني أذكر له أنه لم يكن يحب الأكلة الشعبية الأولى في تونس وهي المقرونة ! وفي تلك الزيارة الأخيرة تحدّث معنا في موضوع نسيتُه لكنني بقيتُ أتذكر عبارة طريفة جريئة قالها لنا وهي "حاكمنا غالط !".. 

كان هذا الرجل محبوبا خفيف الظل صحيح الجسم رغم بنيته النحيفة، له جمال البدوي الأسمر البشوش الضاحك، يلبس سروالا عربيا أو برنسا ويضع على رأسه شاشية حمراء.. كان جذابا يدخل إلى القلب قبل الأبيض والأشقر.. لم يكن معقّدا ولا صعب التعامل، صمته طويل وكلامه معبّر وعمله متقن.. ربما أغضب جدّي أحيانا.. ربما لم يكن مثاليا دائما، لكنه بصفة عامة قنوع وناشط ومثابر.. عرفتُ مزية صمته واكتفاءه بنفسه عندما أتانا حرّاثون آخرون كانوا فضوليين أو ثرثارين وفي عملهم عابثين وكانوا يستغربون مني حين أتابعهم وربما يظنونني "فاضي شغل" أو أراقبهم فكان الجو ثقيلا عليّ وعليهم فلا ألبث أن أتابعهم بضعة أسطر وأذهب وفي قلبي حسرة على زمن الفرجة الفلاحية الشائقة لحراثة رائقة.. 

كنّا رأيناه لآخر مرة في أواسط سنة 2009 إذ سمعنا بمرضه، فزرناه في بيته حيث أهديناه بعض المرطبات فأعطانا "زميطا"، وكان يتحدث بطلاقة في مواضيع مختلفة، ووعدنا بالمجيء لاقتلاع الطفيليات في أوت لكنه لم يتمكن من ذلك وكان قد "اعتزل" العمل منذ أواخر 2002 كما أسلفنا الذكر.. 

ثم مرّ الزمن بهمومه العديدة التي تنسينا كل شيء، حتى أحسستُ بالشوق إليه والرغبة في السؤال عنه في أواخر 2012 فأتانا الخبر الأليم إذ كان قد تُوُفّي قبلها بسنة، فحزنتُ كثيرا وبدأتُ أحسّ أن زمنا ما بدأ بالاندثار مع أشخاصه حتى تأكد لي ذلك كل مرة يرحل فيها شخص عزيز أو حتى برنامج هادف من أيام جميلة يبدو أننا نودّعها نهائيا أو نكاد في زمن رديء وقاس هجر فيه الناس الذوق والجمال وحسن المعاملة والبساطة والفلاحة و"ما أحلاها عيشة الفلاح" كما في أحد عناوين أقصوصات عبد القادر بن الحاج نصر.. رحم الله بوك احْمِدْ وعصره وكم أتمنى لو أحافظ على العادات والتقاليد الجميلة لو تركنا الزمن والناس...                             


تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة