عبد القادر بن الحاج نصر وسامي النيفر... قصة وفاء وإخلاص

 

عرفتُه أديبا من عناوين الكتب في معارض الكتاب ومن المسلسلات الجميلة التي شاهدناها.. لكن معرفتي المعمّقة به كانت أول مرة يوم 30 نوفمبر 2018 حين هاتفتُه لسؤاله عن تحريف مسلسل "الحمامة والصقيع".. وجدتُ رقمه في إحدى صفحات الانترنات بعد بحث، ولم أتردد في مكالمته لمعرفة كواليس هذا المسلسل الذي أبهرني حتى بعد تشويهه.. كنتُ أرى في البطل رابح جزءا من شخصيتي ولو أنني قاومتُ وحدي الظروف الصعبة مع قليل من الأحبّاء.. هاتفتُه على الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا فأجاب برحابة صدر وتكلم بسخاء ودون تصنع أو تكبّر، وأخبرني أنه حوّل المسلسل إلى رواية "امرأة يغتالها الذئب".. وتجاوز حديثنا المسلسل إلى أعماله التلفزية وإلى الأدب بصفة عامّة بل وحتى إلى بعض الجوانب في الحياة.. دامت المكالمة الأولى 40 دقيقة لم نشعر فيها بالوقت وكانت ثرية وراقية.. أخبرتُه أنني مغرم بالأدب وأنني أكتب بعض المقالات والبحوث بالإضافة إلى عملي أستاذا.. انتهت التلفنة المثمرة بمحبة، ثم فوجئتُ مفاجأة سارة بعبد القادر بن الحاج نصر يهاتفني بعد 3 أو 4 أيام وأنا في سفر قصير هائما على وجهي أتأمل قسوة الحياة وجمالها أحيانا.. أراد أديبنا معرفة عنواني البريدي ليبعث لي مجموعة من إصداراته من بينها "امرأة يغتالها الذئب".. أعطيتُه العنوان بكل سرور، ثم تلقيتُ الكتب وبدأتُ أقرؤها خاصة رواية المسلسل.. وبعدها كتبتُ عن عبد القادر الأديب والإنسان مقالا.. وتتالت المكالمات، وكان كثيرا ما يبادرني بالسؤال وتفقد الأحوال ويدعوني إلى الصبر وعدم التوقف عن الإنتاج الثقافي، وكنتُ أيضا أحاول التعبير عن محبتي وتشجيعي لمسيرته ولمجهوداته.. وانتهى كل ذلك إلى إجراء حوار ثري معه حملتُ فيه كثيرا من تصوّراتي وهواجسي الفكرية والثقافية والحياتية التي كانت مفصّلة في 25 سؤالا نشرت على 3 أجزاء في أفريل 2021 بموقع الصحفيين التونسيين بصفاقس.. اعترف لي كاتبنا الكبير أن الأسئلة فيها اهتمام بمسيرته وفيها تحضير وعمل مركّز غير اعتباطي وتدرّج في الأفكار ورغبة في استخراج أحسن ما في عبد القادر.. فكان نقاشا ثريا ومتعبا أفاد القارئ.. ومن هذا الحوار، جاءت فكرة جمعي لكثير من حواراته السابقة من جرائد كالشروق والصباح والصحافة والحرية ومجلات ومواقع إلكترونية تونسية وعربية في كتاب حمل عنوان "عبد القادر بن الحاج نصر وجها لوجه مع الصحافة" اختتمتُه باستجوابي الثاني معه في 10 أفريل 2023..
 
التقيتُ به أول مرة تحت ظلال الزياتين في حدود معتمدية منزل شاكر بطريق صفاقس سيدي بوزيد إذ تقاسمنا المسافة بين المدينتين على الساعة السابعة صباحا، وما أجمل أن يكون الإنسان ناشطا صباحا matinal ! لم نبحث عن مقهى فاخر ولا عن البرستيج والمظاهر، بل شاء القدر أن تجمعنا الطبيعة والحقول الشاسعة المعطاءة في يوم سبتمبريّ أشرقت شمسه مبكرا على طريقة "الصيف الهندي" كما قال الفنان الكبير "جو داسّان" في رائعته "L'été indien". 

معرفتي بعبد القادر بن الحاج نصر قرّبتني أكثر من عالم الأدب ولئن كنتُ باحثا ومجتهدا قليلا قبل ذلك فإن معرفتي بهذا الكاتب جعلتني أرتقي درجة أخرى وأتعمّق أكثر في عالم الثقافة.. وهو نفسه من حذرني من الحاسدين والظالمين والمعرقلين الذين لا يتمنون حتى مجرد تمنّ التّفوّق ولا الفرح لغيرهم.. بل ويسعون إلى تشويه كل ناجح أو حتى نصف ناجح.. وجدتُ كثيرا مما نبّهني منه وجعلني أصبر على ما أصابني رغم أن وجعه عشتُه على الواقع أفظع مما لو سمعتُه مجرد سماع.. 

عبد القادر بن الحاج نصر لم يسع إلى الظهور ولا إلى الفخفخة.. قد يحضر احتفالية بسيطة مع أطفال وشباب يافعين ويرفض دعوة من جهة رسمية غير صادقة.. قاطع كثيرا من التظاهرات التي تعتمد على الصداقات والمجاملات والتنازلات بعيدا عن الثقافة الخالصة والكفاءة الحقيقية.. يهدي كتبه إلى عشاق الأدب ولا يفكر في المال، لكنه يغضب إذا أعطاها لمن لا يقدرها حتى لو كان وزيرا.. عبد القادر إنسان وفيّ وبالنصيحة سخيّ.. يحب الحياة ولكنه بالقناعة رضيّ.. وعد نفسه وجمهوره بزيادة الإنتاج في بداية الألفية فكان ذلك رغم قسوة الساحة ونقص الدافعية للعمل.. والكتابة كما يقول هو لعنة قاسية ومدمّرة لكنها واجب مقدس تجاه الوطن والناس.. 

في زمن قاس جاف وصعب فيه التفاؤل، وكثيرة فيه الإحباطات والمكائد والظلمات، نظل صامدين إلى أقصى حد ممكن مع الناس المخلصين الذين جمعنا بهم حب الأدب والثقافة والإنسانية بعيدا عن عالم المادية والمصالح الآنية.. وما أجمل أن يفيد الكبير الصغير وأن يحاول الصغير إسعاد الكبير وتبادل الأفكار البنّاءة معه.. سؤال عادي نتجت عنه أسئلة متدفقة.. مكالمة بسيطة أصبحت صداقة عميقة.. معرفة أوّليّة تحوّلت إلى تجربة ثقافية وحياتية يفتخر بها الطرفان.. فقط لأن النيات كانت صادقة.. تماما مثل هذه الشهادة التي أردتُ أن أدوّنها إنصافا لعلاقة وفاء نادرة في هذا الزمن الرديء.             

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة