الإحباط وغياب الدافعية في محيطنا أكبر بليّة

 

قد يكون الإنسان متّقدا نشاطا ومفعما حيوية ومليئا بالعزيمة وكبير الطموح وعالي الهمّة ومقداما أمام التحديات... ولكنه يصطدم بمحيط متكاسل متواكل لا يتقدّم ولا يترك غيره يتقدّم أو يريد أن ينجح هو وعصبتُه بالحلال أو الحرام ولا يتركون للآخرين مجالا حتى لنصف نجاح... فيشجعون ناسا دون ناسا وتُقبل الأفكار من شخص ولا تُتَقَبَّلُ من آخر والله يتقبّل من المتّقين ولكن الجماعة لا تتقبّل إلا من المقرّبين استحقوا ذلك أم لم يستحقّوه... نفس الفكرة تكون عديمة الفائدة إذا قالها أحد غير مرضيّ عنه فتصبح خلقا وإبداعا وتجديدا غير مسبوق إذا جاءت من الشّلّة، والحديث عن تجربة... وعلى صعيد آخر، قد تكون هناك أفكار لهم وحدهم ومفاهيم لهم وحدهم للنجاح فلا تُقبل أي اجتهادات خارج ما يرونه هم وما يريدونه هم...

حينئذ، ومهما حاول الفنان والمثقف أن يجتهد ويتحدى ويواصل العمل ولو لنفسه ولمن يفهمه فستأتي لحظة ما يكفر بها بالعمل الثقافي ويتركها لهم واسعة وعريضة وذلك ما أرادوه منذ البداية وإن بدا أحيانا مغلّفا بالانتقاد وإيجاد الأخطاء والمعايير ليكون حكمهم عادلا وقانونيا... وما أسوأ ذلك... كمثل الإمام أو المتفقد أو المسؤول الذي يقول ما لا يفعل ويكون كلامه لطيفا ومنطقيا في الظاهر ولكنه رغبة دفينة في ليّ الأحكام المدنية والشرعية والعرفية والقانونية وتسخيرها لصالحهم ضدّ من لا يرضون عنه ولن يرضوا عنه ولو اتبع ملّتهم ولو اتّبع أسوأ ما يعملون... 
إذا ألّفتَ كتابا سيقولون لك إن الناس لن تقرأ فانشره على الانترنت فإذا نشرته سيقولون لكَ إن الثقافة كلها غير مرغوب بها حتى في الشبكة العنكبوتية أو إن الموضوع عميق والناس تحب البساطة فإذا بسّطتَه سيصبح سطحيا أو سيقولون لكَ إنه ليس من مواضيع الساعة وستجد نفسكَ دائما أمام نقد هو في الحقيقة تهجّم وتعطيل وانتقاد... وسيقولون لكَ إنك لستَ مختصّا في مجال معين رغم أن الذي كتبتَه كله صحيح ومتعمّق.. ولو كنتَ مختصّا لقالوا لكَ إنه عليكَ أن تكتب وتطّلع على المجالات الأخرى ! إنهم يحاسبون بالاسم وليس بالمحتوى... بالعلاقات الشخصية والرؤى العاطفية وليس بالمعايير المنطقية... لو كتبتَ أي شيء سيقولون لكَ إن الناس لن تقرأ ولو كتبوا هم أي شيء سيصبح خبرا رئيسيا في نشرات الأنباء وتوسيما في الجامعات والمندوبيات النائمة في أغلب الأحيان وقد يصل الأمر إلى تكريم في يوم العلم من وزير أو رئيس أشار عليه مستشاروه بعكس الحقيقة ولم يوصلوا له إلا ما أرادوه من علم وثقافة... نحن لا نطعن في أهليّة كل المكرّمين بل ربّما كان جميعهم يستحق ذلك وحسبهم في هذه الحالة من المحاباة أنه قد انتُبه لهم ولم يُنتبه لغيرهم في مسألة رمزية ومعنوية قبل كل شيء... وقد يتعدى الأمر إلى دعم مادي وجوائز ضخمة يحرزها الكفء وغير الكفء... وقس على ذلك كل الأعمال الفنية من رسوم وموسيقى وسينما ومسلسلات ونواد تنشيطية وبرامج إذاعية أو تلفزية... واختراعات بعضها مزيّف وغير واضح مثل سفينة ورقية غير سميكة يدخل فيها الماء وتغرق في أول اختبار... فمن هم المستشارون ومن هي اللجان وعلى أي أساس يختارون ويكرّمون ؟ ولماذا لا يشرح المكرَّمون أعمالهم أمام الجميع حتى للفخر والاعتزاز كما يحصل في عرض بحث شهادة نهاية ختم الدروس PFE ؟ 
لو أخرجتَ كتاب قرآن جديد للناس سيقولون لكَ إنه على الانترنت أفضل فتصبح كل فكرة ميتة قبل أن تولد وموؤودة في المهد... ولا فائدة منها... ولن تجد تشجيعا أو تأطيرا... ومن واجب البيداغوجي والمسؤول الذي يحرّضنا على حسن معاملة الناس أو التلاميذ أن يكون قدوة لغيره فيحفّز حتى من كانت فكرته متوسطة ويصوّب ما اعوجّ منها ويسعى للارتقاء بمن هم تحت عهدته لأنه سيرتقي معه ولأنه -وكما يقولون لنا- كيف تعتني بالشجرة ستنمو أو لا تنمو... فأين أنتم من استعراضاتكم الخاطئة وشعاراتكم الكلامية الفارغة ؟ ومرة أخرى لماذا لا تطبّقونها على أنفسكم أولا ؟ ولتذكروا أن الرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم ورغم مكانته العظيمة عند ربّه، عاتبه الله في أعمى جاءه ليسأله فتلهّى عنه لصالح علية القوم !
إن نجاح أي تونسي هو نجاح لمؤطره ولكل عصابات الثقافة ولتونس كلها... هو نجاح لكم وللجميع... فماذا ربحتم حينئذ ؟ اللهم إذا كنتم أقل قيمة منه فعلا فلا تقدرون إلا على تعطيله وذلك ما ننزّهكم منه أحيانا لأننا في عصر يغار منه الأستاذ من تلميذه و"الدكتور" من الطالب في السنة الأولى وهو أقل منه مكانة بالفعل... ولكنه لا يريد مضايقة... أو لا يجد ذلك الشخص هوى في نفسه... فلو كان طالبا آخر لأعجبه منه ذلك... وما أسوأ اتباع الظن والهوى والحكم دون منطق...

البلاد تخسر طاقاتها والنجاح لنا جميعا والفشل لنا جميعا... وكان بالإمكان أن ينجح الجميع ويفرح الجميع ويكمّل البعض منّا الآخر لا أن يحطم البعض منا الآخر ! وبهذه الحالة، فلن يجتهد أستاذ أو كاتب أو مغنّ أو مخرج أو منشّط أو أي مثقّف ما دامت أيّ فكرة سيئة قبل أن تخرج ! وما أسوأ أن تُدفن أعمال قبل أن نراها... ولكن كل المحبَطين يقولون لكم قد نتوقف قليلا وقد نيأس قليلا ولكننا سنواصل النضال...  

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة