يوم 25 أوت 2025، لم نشاهد مباراة تنس عادية بين ميدفيديف وبونزي، شاهدنا درسا في الحياة... الحياة بتقلباتها ومفاجآتها وغرائبها وأفراحها وأتراحها وظلمها وإنصافها وقساوتها وجبرها... شاهدنا الحياة بجنونها ومنطقها... وإليكم التفاصيل...
كان بونزي متقدما على ميدفيديف بمجموعتين لصفر وله نقطة المباراة بعد أن تقدم ب5 أشواط مقابل 4 في المجموعة الثالثة... يعني بونزي تفصله نقطة أخيرة عن الفوز.. خطوة عن الفوز.. ولكن في هذه اللحظة الحاسمة، يتدخّل بيدق لم يكن يتخيّل أنه سيصبح منشط المباراة ونجمها ولم يكن أحد يتخيل ذلك قبل المباراة وهو مصوّر استعجل وظن أن اللاعب الفرنسي قد فاز فتجاوز المساحة المخصصة له ودخل الميدان، فأمره الحكم بالتراجع وقرّر إعادة النقطة الأخيرة واحتسابها إرسالا أول لبونزي نظرا للتعطيل الحاصل وتلك وجهة نظر لم يستحسنها ميدفيديف واعتبرها غير عادلة من جهته فاحتج على الحكم... ومن هنا ثار الجمهور مع اللاعب الروسي، ثم هدأ الأخير ولم يهدأ الجمهور فاحتج بونزي ثم حاول مواصلة اللعب لكن المتفرجين ظلوا في حالة هيستيرية غريبة، جعلتهم يحتجّون ويضحكون ويهرّجون وكأنهم كانوا مكبوتين فقرروا الثورة على الوضع وكأنهم في حركة احتجاج أو حفلة صاخبة في مشهد لم نألفه في التنس التي تتطلب هدوء الجمهور ولا يُسمح فيها حتى بضوء مصوّرة أو ذبابة عابرة أو كلمة مارّة... قَلَبَ ميدفيديف الوضع لصالحه وفاز بالمجموعة 7-6 بعد أن كان متأخرا 4-5. وفي مشهد غريب كذلك، كان المتفرجون يفرحون مع بونزي ومع ميدفيديف وكأنهم يلعبون على الحبلين أو يريدون فقط الفرح والصراخ والإثارة... انقلب الوضع بعدها لصالح ميدفيديف الذي فاز بتلك المجموعة وفاز بالمجموعة الموالية 6-0 ووصل إلى المجموعة الأخيرة 4-4 إلى أن كسر بونزي إرساله في آخر شوط ليفوز 6-4 ويربح كامل المباراة... مباراة غريبة في أطوارها... غريبة عندما يصل لاعب إلى النقطة الأخيرة ثم تنقلب كل الأمور ضده ليفوز المنافس الذي يصل هو الآخر إلى المرحلة الأخيرة على بعد خطوتين من الفوز فتنقلب اللعبة ضده من جديد ويخسر بعد أن كان هو الأقرب.. لقد شاهدنا سابقا لاعبين يصلون إلى نقطة المقابلة 3 مرات أو أكثر ثم يخسرون، ومن أشهر الأمثلة نهائي ويمبلدون 2019 عندما انقلبت الأمور لصالح دجوكوفيتش أمام فيديرير، ولكن في مباراة الحال، كانت التقلبات في كل الاتجاهات وكلما كان لاعب قريبا للربح عاد ليخسر أكثر من مرة...
ما شاهدناه كان درسا حقيقيا ليس في التشويق والإثارة وحلاوة اللعبة فحسب، بل في الحياة و"المكتوب"... نعم على الإنسان أن يجتهد ويعصر نفسه ثم يتركها للقدر... والقدر قد يعاكسنا وقد ينصفنا... هناك أشخاص وعوامل بسيطة جدا تتدخل وقد تغير حياتنا نحو الأفضل أو نحو الأسوأ... وستأتينا الفرص الجيدة فعلينا استغلالها، وستأتينا العكسيات فعلينا أن نَثْبُتَ ونتصدى لها ولو بالانحناء والصبر وحسن إدارة المرحلة بما نقدر... ولن تدوم أي مرحلة على كل حال... والحقيقة أن المباراة أنصفت ميدفيديف حين أعادته وهو استغل الفرصة ولم يسرق شيئا، وكان بونزي مخطئا حين انهار للضغوطات ولا يمكن تبرير خسارته لذلك الشوط ثم المجموعة ثم المجموعة الموالية 6-0... فكيف ينهار طول هذا الوقت ؟ يمكن له أن ينهار في نقطة أو شوط أو مجموعة ولكن ليس بتلك الطريقة وبخسارة مجموعة نظيفة... فكأنه تلميذ لم ينجح في 3 امتحانات متتالية... ولكنه هو نفسه تدارك الأمر في آخر لحظة وعاد ونجح بعد أن كان المنافس مسيطرا وكان على الروسي الذي استحق العودة أن يَثْبُتَ في المنعرج الأخير... وبالتالي يمكن القول إن المباراة ذهبت للطرف الأفضل نسبيا رغم قساوتها الشديدة على ميدفيديف... الدرس الآخر هو الجمهور الذي لم يملك زمام نفسه وانفلت وهرّج في مشهد لا نراه كثيرا في التنس... لعلها شحنات سلبية، وهناك من قال إنهم يريدون البقاء أطول وقت ممكن وعدم إنهاء المباراة بسرعة، وقد نزيد تساؤلات أخرى مثل هل أصبح الإنسان في الفترة الأخيرة أقل رزانة كما تَجَسَّمَ ذلك في مثال جديد في هذا اللقاء في التنس التي يعرف الحضور فيها قوانينها ونواميسها ويلتزمون بها عادة ؟ وهل نعذر هذه التصرفات ؟ أو هل نحللها ونحاول فهم ظواهر اجتماعية وراءها مثل الكبت أو التهريج أو الثورة أو الإثارة أو الكره أو التعصب أو غياب الرصانة وعدم ضبط النفس وهي نفس تصرفات اللاعبين المنفلتة مع ما صاحبها من غضب واحتجاج وصراخ وبكاء وكسر مضارب ورمي أشياء فوق الميدان وذلك ما نشاهده في عديد المقابلات ؟ ولو كنا في بلادنا العزيزة، لتعاملنا معها بغلظة ولوصفناهم بالمجانين فنقصي ثلاثة أرباع اللاعبين والجمهور أو نترك الحبل على الغارب دون عقاب ونتعود على ذلك دون تحليله ؟ وهل نعذر الأستاذ والمسؤول في عصرنا حين نرى أن الحكم لم يستطع ضبط الأجواء وفرض الانضباط حين غلبت الكثرة الشجاعة والقانون والاحترام ؟ فهل كنا سنصفه بالضعف أو فقدان السيطرة والحكمة والحال أن الآلاف ومعهما لاعبان ومصوّر منفلتون وهو وسطهم وكان لديه خياران أحلاهما مرّ وهو ترك العاصفة تمرّ بسلام.. ولو ردّ الفعل لزاد الوضع تعقيدا... ربما كان بإمكانه طرد المصوّر فذلك كان سيخفف من حدّة التوتر على الأرجح... مصوّر وجد نفسه فجأة بطلا وكاد يغير وجه المباراة، ولكن ليس لبونزي أن يتذمر لو خسر المقابلة لأن ما حصل لم يكن ليجعله يفقد التركيز 3 مجموعات كاملة ولا لمدفيديف أن يشتكي فقد حاول القدر إنصاف كلا اللاعبين تعويضا عن تعطيلات أخرى.. فالقدر يجرح ويداوي والحظ موجود ولكن الفوز للأفضل على المدى الطويل... على الأقل هذا ما تقوله المباراة... وحتى لو خسر الإنسان سيحترمه الناس وسينتصر معنويا عملا بمقولة عمر المختار : "نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت"... فما عليه إلا بذل جهده ثم تركها للأقدار التي ستنصفه وإن لم يربح فحسبه أنه لم يقصّر وحينها فقط يقول "القدر لم يُرِدْ"... وهنا فقط نقول "المكتوب لا يهرب منه أحد"... وبالفعل قد نحرق أنفسنا من أجل أمر لا يتمّ، ثم يتمّ هو نفسه بأقل مجهود حين يريد الله ذلك إنصافا عن تعطيل سابق تعرصنا له من القدر نفسه... فالمباراة أثبتت فعلا أن هناك "قسمة ونصيب" وقدرا وتدخلات كونية وإلاهية بأبسط العوامل وأقلها منطقية ودون أن ننتظرها... قد لا نستحقها وقد تكون منصفة خاصة على المدى الطويل قياسا لمجمل أعمال الإنسان الذي حتى لو لم يُنصف في العاجلة سيكون بطلا تاريخيا أو مناضلا وذلك فوز آخر...

تعليقات
إرسال تعليق