الفايسبوك في تونس : كذب وتوتر وعراك وانحطاط


ابتكر مارك زوكربرغ الفايسبوك من أجل اشتراك المعلومات النافعة مع زملائه في الجامعة سنة 2004... ولم يكن يتخيل أنه سيصبح من أقوى مواقع التواصل الاجتماعي في العالم وهو الرائد والعميد... ولكنه أيضا لم يكن يتخيل أنه سيستعمل في الدناءة والسفالة والقذارة.. الغريب أننا نعيب الفايسبوك والعيب فينا وما للفايسبوك عيب سوانا لأنه -وككل اختراع- فيه الإيجابي والسلبي حسب استعمالاتنا له... فالهاتف والتلفاز والسيارة وحتى المواد الكيميائية في الأصل نافعة ولكن الإنسان يسخرها للخير أو للشر... 

كثيرا ما ننتقد الفايسبوك أو على الأقل نطرح سؤالا جدليا حول مضاره ومن السبب فيها والحال أن إجاباتها محسومة سلفا وبسهولة وإليكم الدليل... لماذا الفايسبوك عندنا ضار وعند الأوروبيين نافع ؟ بل لماذا بعضنا يستفيد منه وبعضنا الآخر يتضرر ؟ لماذا نتصل نحن بالفايسبوك ساعات طوالا بينما الأوروبي والغربي يأخذ منه بقدر حاجته أقصد بقدر فائدته ؟ لماذا ننشر نحن عشرات المنشورات في اليوم الواحد بينما قد يظل الإنسان في الغرب أياما وشهورا دون نشر جديد لأنهم لا يحبون الظهور من أجل الظهور والفخفخة وتسجيل أهداف حتى لو كانوا شخصيات عامة ؟ 
أجل لقد استعملنا الفايسبوك من أجل التظاهر والتفاخر والإحساس بالتفوق وأصبحنا في ذلك ننشر كل الصور لنري أننا الأفضل وخلق فينا ذلك تنافسا غير شريف بالإضافة إلى الغيرة والحسد والحزن والكمد والغيظ ومشاعر القلق المختلفة... ثم إننا تنافسنا في عدد الإعجابات والتعاليق وما أدراك ما التعاليق... ففيها مجاملات لا تطاق أو تنمّر ليس فيه استحقاق... وقد نتبارى في الإطراءات الكاذبة أو الشتائم السائبة والألفاظ النابية ومحاولة تجريح الآخر وتقزيمه والحط من معنوياته وما كان سبّا في الشارع تحول إلى الفضاء الافتراضي صباحا مساء ويوم الأحد... فضاء الأصل فيه الزيارة لا الإقامة والمكوث فيه ساعات طويلة بين تصفح أخبار الغير والتجسس على أحواله إذا كان صديقا أو عدوا أو حتى لمجرد بعض الفضول بالإضافة إلى الثرثرة والشقشقة والسفسطة والغرور ومحاولة عرض الإنجازات على مستوى الأفراد أو حتى المؤسسات... وكم أصبحت الصور محل تفاخرات وهمية في مدرسة أو شركة أو حتى وزارة... وكم تبارى المسؤولون في عرض كل صغيرة وكبيرة حتى بيوت الراحة... وبعد كل هذا، لماذا نجد صورا جميلة وألفاظا حسنة مختصرة وأحداثا مهمة ولطيفة والكلام المفيد لدى الغرب أكثر من العرب ؟... أليس لأنهم محصنون أكثر منا أمام التطورات التكنولوجية وتلك قبل كل شيء تربية وعقلية ؟ ألسنا نحن المنفلتون في كل شيء حتى في قيادة سيارة أو استعمال مروحية أو لعبة الكترونية ؟ حينئذ أنلوم الاختراع أم نلوم أنفسنا ؟ حتى الحِكَم والمواعظ والآيات القرآنية والأحاديث النبوية والدعاءات وحسن الكلام كثيرا ما نكتبه للسمعة والرياء والادعاء وإراحة ضميرنا وتبرئة أنفسنا كمثل من يعرض آيات قرآنية تدعو إلى الصدق وما هو بصادق في الحياة الواقعية... هناك من ينشر منشورا ثقافيا حتى دون أن يقرأه أو يعيه ليقول إنه مثقف... وهناك مباريات حول كثرة المنشورات وتحسين الكلمات كما تبادل اللكمات وهناك مباريات في تصوير الوضع الجميل للمؤسسات والأفراد كما الشكوى والنواح.. نحن ننتظر كل يوما سبّا أو شتما أو خبرا كاذبا أو كلاما منمّقا أو تزيينا لواقع أليم ولغة خشبية أو صورا عائلية وأحداثا شخصية أو مجادلات بيزنطية أو ثرثرة كلامية لا تسمن ولا تغني من جوع...

حينئذ فلن نلوم إلا أنفسنا على هذه النفايات التي هي بعيدة عن المعرفة وعن التواصل السليم وبعيدة عن راحة الأرواح والأبدان وعن العلم والتطور والجمال والذوق السليم... فنكون حينئذ كمن يشرب من ماء البحر من صفحة إلى صفحة والنتيجة تسممات متراكمة نرى نتائجها في الفضاء الافتراضي كما الواقع...   

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة