حدثني الكاتب الكبير عبد القادر بن الحاج نصر عن بعض معاناة المبدع مع دور النشر و"المثقفين" وكان ذلك نوعا من التحذير والتحضير لما قد يعترضني من مصاعب عند نشر كتبي لاحقا... ورغم التهيئة صُدمتُ عندما وجدتُ الواقع كما قال لي بل أدهى وأمرّ لأنني كنتُ أستمع له أما لاحقا فقد عشتُه من الداخل بكل تفاصيله المرّة...
المبدع يظل شهورا بل سنوات وهو يحضّر كتابه... ويظل يختار بعناية كل كلمة... ويبحث عن المعلومة الصحيحة والتبويب وتنظيم العناوين الداخلية والفقرات وعن تطور الجمل والأحداث سواء كان ذلك في الرواية أو المجموعة القصصية أو البحث أو حتى التمارين والمسابقات... ويحرص على ألا يخرج للعالَم إلا ما اكتمل من الإبداع... فيعيد القراءة والصياغة مرات ومرات... وهو في صراع مع كل كلمة ومع كل رأي حتى يحاول الإحساس أنه وصل لمستوى جيد من الرضا...
ومع كل هذه الصراعات والاعتصارات المعرفية والثقافية، يجد نفسه أمام غابة مظلمة اسمها دور النشر والتوزيع التي أصبحت منتشرة كالفقاقيع في كل مكان ولكنها تشبه بعضها في استغلال الكاتب الذي يجد نفسه مضطرا للقيام بعمل هو في الأصل من عملها وهو رقن الكتاب بالحاسوب وإخراج الصفحات من ترقيم وتنظيم وخطّ وفقرات وألوان وعناوين وأطوال mise en page... وإذا لم يفعل ذلك، يكتبه له غيره بمقابل ويخطئ أخطاء في النسخ والإخراج... فالكاتب هنا مسؤول عن الرقن والتنظيم ويقوم بذلك بنفسه حتى يتفادى الأخطاء ولكنها مع ذلك واقعة لا محالة... فبعد كل التعب، يجد أخطاء مطبعية عند تحويل النص من حاسوب إلى آخر وإلا فإنه يطبعه PDF فيصبح رقن كل الكتاب مسؤولية الكاتب حتى الغلاف والصفحات الأولى والفهرس... والطابع والناشر لا يغيّر شيئا... فقط يطبع ويقبض... لكن الغريب أن الطابع ليس بطابع وليس لديه مطبعة أصلا... بل هو وسيط أو سمسار يحمل الكتاب أو السلعة إلى مطبعة أخرى ثم يعيده لك دون أن يخبرك أين طبعه وهل المطبعة لديها رخصة أصلا وما عليك إلا الوثوق به عند تحديد ثمن الطباعة... والغريب أيضا أن دار النشر لا تنشر... ولا تكلف نفسها عناء توزيع الكتاب في المكتبات والمعارض ودور الثقافة والمدارس والمعاهد وغيرها... إلا أقل القليل... هناك من لا يوزع في أي مكان وهناك من يترك الكتاب في بعض الحوانيت التابعة له : حانوتين أو ثلاثة... ولما سألناه ها هي المكتبة الفلانية تريد وهي تتبعك فلم لا تذهب إليها يجيبك بوقاحة أن الكتاب لا يباع ولا فائدة من توزيعه ! فيضطر الكاتب لحمل عربة مجرورة أو "برويطة" يدور بها في الشوارع ويتفاوض مع المكتبات التي يجد بعضها متحمسة لأخذ نسخ عكس ما قاله الناشر والطابع الذي هو ليس بناشر ولا طابع ولكن تاجر لا بل إن إن التاجر يحرص على التوزيع والبيع أكثر منه... هو سمسار يأخذ ثمن الطباعة... نعم كما سمعتم فالكاتب يدفع ثمن كل النسخ التي يطبعها... ويفرضون عليه 500 نسخة قائلين له إن محرك آلة الطباعة لا يبدأ بالعمل إلا ب500 نسخة كحد أدنى ! فإذا وجد من يطبع أقل من 500 نسخة، سيخرجون له الكتاب في نسخة أسوأ قائلين له إنه لا يستطيع الشرط فالعدد محدود ولن نوسّع بالنا معك... واضح أنهم لا يهتمون بمحتوى الكتاب وليس لديهم مصحّح correcteur ولا يقدرون حتى على نشر غلافه في الفايسبوك أو اختيار صورة حسنة للغلاف أو وضع غلاف متين لا يلتوي بعد بضع مرات من اللمس... وطبعا سيبحثون عن تصغير الخطّ والبعد عن الألوان وتبديل حجم الكتاب حتى ينقصوا صفحات منه ويربحوا مئات الملاليم تصبح آلاف الدينارات مع كثرة النسخ.. كل ذلك على حساب المحتوى والجمالية والمقروئية... وهناك من لا يريد أن يوجع رأسه فلا يصغّر ولا يختار صورة للغلاف ولا يحسّن شيئا بل يضع كل المسؤولية على الكاتب الذي أصبح كاتبا وراقنا ومزوّقا ومُخرجا... فإما أن يضعوا لك صورة للغلاف دون المستوى وإما أن تختار بين 3 صور كلها متوسطة وإما أن تضع الغلاف بنفسك وتتحمّل مسؤولية اختيارك ولا مجال لتكبير العنوان أو اسم الكاتب أو كتابتهما على جوانب الكتاب أو الصفحات الأولى فكل المؤلَّف في عهدتك وإلا اتركهم يفعلون ما يشاؤون... في البداية كنا نظن أن المبدع سيربح في إنجاز كتاب، ثم قالوا لنا إنه فقط سيسترجع مصاريف الطباعة التي يجب أن يدفع هو ثمنها جميعا... لنكتشف في النهاية أنه سيخسر... وهل سيتنقل إلى كل مكتبة ليطالبها بجرد حساب فتقول له إنني بعتُ نسختين أو ثلاث ؟... علما أن المكتبات تشترط أن يكون لها 40 % من ثمن البيع !! وهو أهون من الناشر والطابع الذي يأخذ ثمن كل النسخ ويأخذ معها حقوق التأليف أو لا يهتم بها ويطلب من الكاتب أن يذهب بنفسه إلى مؤسسة حقوق الطبع لتسجيل الكتاب بنفسه في تونس العاصمة... وبعد أن يقبض ثمن الطباعة يأخذ لنفسه نسخا ليبيعها ويربح فيها من جديد، أو ليأخذ دعم وزارة الشؤون الثقافية جزاء مجهوداته الجبّارة وأمانته ومعاملته البارّة... حتى يقول الكاتب في نفسه اللهم زدهم بوارا وخسارا إلا الصادقين منهم وقليل ما هم... بعضهم يربطكَ بعقد فيه شروط مجحفة ويطالبك بالخلاص وبعدم تبديل دار النشر قبل 3 سنوات وبعضهم الآخر يعمل دون عَقد فلا حساب ولا عقاب... قد تتفقون شفويا على نص بالألوان بل بلون واحد ثم يخرج الكتاب باهتا شاحبا بالأبيض والأسود وتبدأ الأخطاء منذ العنوان... تصوّروا كتابا فيه خطأ في العنوان في الغلاف وفي الصفحة الأولى والثانية وعلى جوانبه.. ولكن الحمد لله هناك من لا يخطئ في العنوان ولكن لا يهتم بصغر الخطّ وعدم مقروئيته ولا يكلف نفسه عناء تكبيره ولا وضع العنوان على جوانب الكتاب مدعيا أنك قدمتَه له هكذا بينما يستطيع إضافة اسم دار نشره على الغلاف ! يعني إذا قام المؤلف المنكوب ب95 % من العمل لا يستطيعون القيام ب5 % الباقية... هم فقط يضعون اسمهم ويطبعون عند غيرهم ويقبضون ولا يوزّعون... بعض دور النشر التي تحترم نفسها تحرص على حفلات توقيع أو تكريم ولكن الأغلبية تغط في سبات عميق خاصة إذا كان الكاتب من غير المقربين أو المتنفذين...
حتى أغلب مندوبيات الثقافة ودورها والمكتبات العمومية والمؤسسات الثقافية والإعلامية جامدة الحركة ولا تتحرك إلا لتبجيل أصحابها... ليجد الكاتب نفسه في النهاية يهدي لمن يظنهم "مثقفين" فلا يشكرونه ولا يبلغونه حتى بوصول الكتاب بل لا يقرؤون حرفا واحدا حتى أن أحد الإعلاميين قال لنا بوقاحة إنه لا يملك وقتا للقراءة بينما هو يملكه للفارينة واللغة الخشبية والإشهارات الكاذبة... وكم من إعلامي يدير قسما ثقافيا تهدي له كتبا فلا يكتب حتى مقالا بثلاثة أسطر ولا يكلف نفسه حتى عناء وضع غلاف الكتاب على الفايسبوك كما يفعل بعض من بقي لديهم وفاء وحياء ولا يمكن مطالبة أحد بذلك طالما أن دور النشر نفسها لا تضع غلاف الكتاب الذي "أنتجته" في صفحتها... ولكن نفس هؤلاء "المثقفين" يسارعون لتكريم رئيس جامعة متقاعد عشرات المرات في السنة دون أن يضيف شيئا وهو نفسه الذي لا يقبل الكتاب هدية منك وكذلك فعلت جامعة في العاصمة قائلة لنا إنها لا تقبل ولا تهتم إلا ببحوث المنتمين إليها ! يعني حتى إهداء الكتاب مجانا أو توصيله إلى باب دارهم لا ينفع... كما لا ينفع أن تتركه عند مدير مكتب جريدة بمدينتك ليوصله إلى العاصمة أو في مكتب استقبال بإحدى المؤسسات الإعلامية وستفشل في إيصاله عبر البريد السريع إما لتقصير منهم أو لأن المرسل إليه لم يكتب العنوان الدقيق... فيظل الكاتب بين 70 مطرقة و70 سندانا يندم على اليوم الذي خطّ فيه سطرا واحدا وذلك ما يريدونه حتى أن أحد الكتبيين قال لنا بعد أن قبل الهدية دون أن يقبل وضع نسختين في مكتبته : "لن أضعه في مكتبتي لأنه لن يباع... كيف يباع كتابك أنت الصغير وكتاب ذلك الشيخ صاحب مئة سنة لا يباع... هل ستكون أنت أفضل منه... لو استشرتني لقلتُ لك لا تطبع لأنك لن تصل لشيء !" أما الناشران الحبيبان فقد قالا لنا بلطفهما المعهود : "هناك من مات ولم يبع نسخه فحضر نفسك لنفس المصير !" ما أجمل كلماتكم المشجعة التي هي أشبه باللكمات المروّعة وما أكبر فجيعتنا بهؤلاء اللصوص والساقطين أخلاقيا قبل أن يكونوا ساقطين ثقافيا... أهكذا تشجعون المبدعين ؟ وما أسوأ حظنا بوزارة الشؤون الثقافية التي تهتم بحفلات الرقص والغناء السافل والنشاز وشيء من المسرح والفلكلور والعروض المبتذلة هنا وهناك ولا تهتم بكتّاب سقوا الأرض بدمهم وعرقهم حبّا في الناس وفي وطنهم فلا أقلّ من أن يجدوا كلمة طيبة أو دنانير لدعم كتبهم بل لا أقل من أن توزع أعمالهم -إن كانت تستحق ذلك- في المؤسسات الثقافية التي امتلأت بالسماسرة والبطّالين الذين يأتون للتهريج أو لتسجيل الحضور فقط وما أتعس حظنا في اللجان والجوائز وحفلات التكريم والتشريف والفخفخة وما أتعس حظنا مع مهرجانات الكتاب إذ قد يمر عام وعامان على اليابان عفوا على صفاقس دون مهرجان للكتاب الملعون وتلك مؤامرة أخرى لا دخل لسكان المدينة الفاضلة فيها ! الأساتذة والإعلاميون والنخبة حتى السياسيون لا يقرؤون... طبعا لأنهم أذكى من الشعوب المتقدمة فلا يحتاجون للقراءة أصلا ما دامت عقولهم مليئة بالثقافة والحكمة...
ختاما التونسي لا يقرأ لأننا لم نرغّبه بالقراءة.. إذا كان "المثقفون" بهذه الدناءة فماذا تنتظر من العامّة الذين ربما كانت قلوبهم أكثر صفاء وشوقهم أكبر بهاء وعقولهم أعظم ضياء لو وجدوا ترغيبا في الكتاب... كيف بنا والزملاء "المثقفون" يقولون إن ثمن الكتاب غال والحال إنه أرخص من ثمن كسكروت أو فطور أو علبة سجائر أو حصة تدارك... وكيف يقولون إن الكتاب لا مستقبل له والحال أن الأمم المتقدمة مع كل التطور التكنولوجي الذي فيها مازالت تقرأ... وحتى لو وضعنا نفس المحتوى في فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي فلن يجد اهتماما كبيرا أمام موجة التفاهة والرداءة... بالإضافة أن للكتاب رونقه وطقوس قراءته بعيدا عن التهريج والتقديم السيء.. علما أن القراءة من الورق أسهل للعينين وللعقل وأسرع ب25 % من وقت القراءة على الشاشات... والكتاب رفيق في كل الأمكنة ولكن سينعت التونسي بالمجنون لو رأوه يقرأ في الشارع ! حسنا هذا بعض ما فعله العقلاء والمثقفون فينا والمأساة الثقافية أكبر من هذا وأخطر ولا أحد تدخل لإيقاف النزيف... علما أن الثقافة أهم وأشمل من التعليم فهي منهج حياة... وللحديث بقية...

تعليقات
إرسال تعليق