خطير ما يقع في جلّ وسائل الإعلام الجهوية حتى لا نقول كلها... جميل أن نحب جهتنا وأن ندافع عنها حتى بشراسة بشرط ألا تكون تلك الشراسة عنفا وتحميشا وتزييفا للحقائق... الإعلام الجهوي هو جزء لا يتجزأ من إعلام وطني نبيل له أهداف سامية من أجل تونس.. فحبنا لتونس قبل حبنا للجهة... وحبنا للجهة يجب ألا يتعارض مع حبنا للوطن... ما نلاحظه مؤلم... إنه تكريس للعروشية والقبلية والجهويات وإنه لتقسيم للبلاد : العاصمة والساحل وصفاقس والمناطق الداخلية... واللغة تكون نحن وأنتم ولماذا هم وليس نحن ولماذا أنتم قبلنا ولماذا تستمتعون بخيراتنا ؟ ولماذا نحن بالذات ؟ ولو جربوها عند ناس آخرين سترون النتائج...
أنا هنا ألوم الجميع دون استثناء ولكنني تحريا للدقة وبحكم قربي من جهتي سأتحدث عن صفاقس مثلا... لقد تبنت أغلب وسائل الإعلام الجهوية عندنا نظرية المؤامرة... فالمركز يتآمر والساحل يتآمر وكل من ليس معنا هو ضدنا... فعندما يكون هناك مجرم من المدينة لا يتحدثون عنه وربما يزيفون الواقع فتصبح نقلة مسؤول إثر فساد مالي وإداري ترقية يهنئونه عليها أو يكون التقاعد المبكر فرصة لتهنئة صديقنا العزيز بالإحالة على شرف المهنة... وفي صورة القبض على متهم من الجهة يصبح السؤال : لماذا لا تمسكون إلا بالصفاقسية وذلك مثلما حصل مع شفيق الجراية على سبيل الذكر لا الحصر... رجل أعمال يتحدثون عنه حين يكون فاعل خير ومتبرع دائما بالمال للفقراء والجهة ولكن يسكتون عنه حين قام بأشغال تسببت بهدم معصرة زيتون ثم هرب... في كل مباراة رياضية تقريبا، يتحدثون عن ظلم الحكم وأنه مستهدف للنادي الصفاقسي بل للجهة وكثيرا ما يبدأ رفضه حتى قبل بدء المباراة وتَوَقُّعُ أنه سيتآمر على الفريق... فريق عريق لا ننكر أنه ظُلم سابقا ولكن لماذا نحمّل كل نكساته وخيباته على الآخرين ؟ يحلو لنا لوم الحكم والجامعة والمدرب والطقس ولا نلوم أنفسنا... فريق نحبه كثيرا تحكّم فيه سماسرة وعديمو خبرة فقاموا بانتدابات مغلوطة وخيارات خاطئة وأشركوا لاعبين لا يستحقون اللعب حتى في صنف الآمال... فريق ابتعد عنه رجاله الكبار مثل صلاح الدين الزحاف وعبد العزيز بن عبد الله وجمال العارم وأطردوا منه لطفي عبد الناظر وحتى منصف خماخم رحمه الله رغم أنهما خدما النادي بقطع النظر عن أخطائهما التي لا نتخيلها متعمدة ولا حتى كارثية... الكوارث نراها بعدهما وبعد عزوف جميع الفاعلين تقريبا عن تولي المسؤولية... في التعليم كما في الثقافة كما في كل الميادين، هناك ولاءات وتكريمات وتشريفات لأناس دون آخرين... وحتى لو كان المبجلون من أصحاب الكفاءات، لماذا هم دون سواهم من أبناء الجهة فضلا عن أبناء الوطن بأسره ؟ مقابل ذلك، نسمع الإعلام الجهوي يتحدث عن تناسي المركز لمبدعي صفاقس وكأن المركز لم يتناس كل أبناء تونس في عديد الأحيان... ثم إن ذلك طبيعي عملا بمقولة كما تعمل تعامل فكما تتعاملون بالمحاباة يعاملونكم بها إن صح ادعاؤكم... في صفاقس يكرم رئيس جامعة عشرات المرات في السنة وهو لم ينجز جديدا لنجده يتحدث في السياسة والاقتصاد والرياضة والاجتماع وتاريخ المنازل العتيقة وكل ذلك على حساب دكاترة وباحثين ومبدعين... في صفاقس، لا يُستدعى من تبرع بمكتبته لأحد المعاهد عند زيارة مسؤول مركزي ويُستدعى من هو أقل منه شأنا... في صفاقس يفتخرون بحفل تكريم مؤلفين لا يحضره كثير من المؤلفين حتى قال أحدهم مرة هل تريدونني أن أذهب لهم وأقول لهم استدعوني ؟! ومع ذلك نؤكد أنك حتى لو ذهبتَ إليهم ولم تكن من المقربين فلن يستدعوك أبدا... نريد التأكيد أنها أمثلة تحصل في صفاقس كما تحصل في غيرها ولكن ربما صفاقس ملومة أكثر لأنهم يرونها عادلة ومتعلمة ومثقفة ويابان تونس حيث تريد أن تكون مثالية ومثالا في العدل والانضباط... في صفاقس ترويج لنجاحات طبية دون الحديث عن سوء إدارة مستشفيين عموميين على الأقل حيث ترتع عصابات من المدير إلى أعوانه الذين يتلاعبون بالتقارير الطبية وبتوزيع الأدوية وتقع تجاوزات في إلقاء النفايات ولا يتحدثون عن أخطاء بل كوارث قام بها "أطباء" القطاع الخاص في حق مرضاهم بل إن بعضهم يقبض الرشوة ويختطف الناس من ديارهم ويعطي سموما تسقط مرضاه ويأتي للإذاعة الجهوية على أساس أنه طبيب نفسي له جمعية يحب الثقافة ويحب الناس وينصحهم ويحل مشاكلهم... وعندما تصارحهم بالحقيقة، يتهربون أو يغضبون... وذلك مربط الفرس...
المشكلة ليست حين نخطئ التقدير عن حسن نية... المشكلة أننا نصر إلحاحا على الخطأ ونظل نردده حتى نعتقد أنه الصواب والحقيقة... بل كل من يصارحهم بالحقيقة يبعدونه ويطردونه وينكلون به... وقد ينكلون حتى بمن كتب مقالا أو حاول أن ينجح أو بادر مبادرة للناس والوطن... يجب أن يتحكموا هم وحدهم بكل شيء... الصواب عندهم والنجاح عندهم بل الرزق والرضا من عندهم وليس من عند الله ! إن دخلتَ بيت الطاعة أخذت الكثير أو القليل وإلا فالويل لك... إنك عدو الجهة وتغار من إنجازاتها التي تعرض صباحا مساء ويوم الأحد... فإن وُجد خلل فهو مؤامرة ضد المدينة الفاضلة... هناك ترابط أخطبوطي عنكبوتي مقزّز بين كل عصابات الإدارة وصولا إلى الطب والقضاء... فحين يسخط إداري بسيط على أحدهم يوصي به شرا لبقية الإدارات وللصحة والقضاء حتى ينفى من الأرض... بل إن لديهم وُشاة وقوّادة حتى في الإدارات المركزية التي حتى لو أنصفتكَ سيعيدونك إلى النقطة الصفر... وسيقولون لك بالحرف الواحد : أنتَ تتطاول على أسيادك ووفات عليك وسنريك ماذا سنفعل و"الوزير شلاكة" وورقة الوزير أو الرئيس بلّها واشرب ماها... إنهم لن ينتقموا من الشاكي فقط بل سينتقمون حتى من الوزير أو الرئيس... فإما أن يجاريهم هو الآخر ويقوم بتمجيدهم أو تكريمهم وإلا سيمسكون بخيوطهم القذرة ليطيحوا به حتى يقولوا لك "الوزير طيحناه" ! السؤال هنا لماذا لا نرى هذه البطولة والرجولة في البناء والتعمير والعلم والإنتاج ؟ بطولتكم ليست قوة ولكنها "كثرة تغلب الشجاعة"... يستطيع الذباب أن ينهش لحم الأسد ولكن الحقيقة لا تتغير... أما العلم فيختفي وراء واحدة من أكبر كذبات العصر الحديث وهي صفاقس الأولى في البكالوريا... والغريب أنها الأولى بمليون ساكن أو أكثر بمجموع التلاميذ وليست بالتلاميذ المميزين أصحاب أحسن المعدلات التي نجدها غالبا من المناطق الأخرى... صفاقس الأولى في الدروس الخصوصية ومن الأوائل في نفخ الأعداد وتزوير مجالس الأقسام حتى يمكن أن يمر تلميذ بعد أن يكون راسبا بادي الرأي وذلك خاصة في الابتدائي... الحقيقة أن الآلات التي صنعناها بالحلال والحرام دمرناها ولم نجد لها كيانا والحقيقة أننا نكره المجتهدين ونحسد الناجحين في كل المناطق ولكنني أتحدث عن صفاقس لأنها أكثر من يدعي الطهارة... وتدعي أنها الأفضل وأنها تعمل بضمير وذكاء والبقية أحمق منها... ورغم كل التلفيقات، لن تبقى صفاقس الأولى في البكالوريا لأنها سنة الحياة وحتى الملوك والجبابرة لا يدوم لهم حال بالإضافة أن سياسات الإدارة تقود إلى التقهقر عندما نتلاعب بالنقل ونفتك مكان الأساتذة الأجدر ونسند الأقسام والأندية والترقيات والجوائز بالمحاباة وذلك ما يعاني منه التلاميذ والأساتذة المميزون الذين لم ينخرطوا في العصابات... عندما يكون لك اتحاد جهوي للشغل آخر همه البيئة أو التعليم أو الثقافة أو السياحة أو الصناعة وإنما يضرب متى يشاء ويعمل متى يشاء ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء بزعمه ولكنهم وبعد أن افتكوا أماكن الناجحين أو على الأقل المثابرين الذين هم للخير ساعون يريدون أن يفتكوا مكان الله فوضعوا أحكامهم الباتة ظانين أنها ستدوم لهم ! وما الإعلام إلا حلقة من حلقات هذا الترابط السمج إذ كثيرا ما يُعمل بمبدأ "اشكرني نشكرك"، "اخدمني نخدمك"... فعندما يشكر الإعلامي المسؤول ويقول له "صباحك دقلة وحليب... كيف حالك يا غالي ؟ نوّرتنا..." سيخدمه في نفسه وعائلته وأصحابه وهكذا كل "القضيات مقضية" في كل المجالات لكل الأطراف...
لقد ضقنا ذرعا باللغة الخشبية والتمجيد وأحيانا تزييف الحقائق حتى أصبحنا نبحث عن الحقيقة في وسائل الإعلام غير المحلية أو في بعض صفحات الفايسبوك الصادقة... وهو ما يذكرنا بالأخبار التي كنا نستمع إليها من وسائل إعلام أجنبية بعضها صادق زمن الرئيس بن علي رحمه الله الذي لم نشهد في عهده كل هذا التكميم للأفواه الذي نراه الآن لا في البلاد ككل بل في جهة واحدة !
إننا هنا ننزّه أن يكون الإعلام الجهوي كله في صفاقس وغيرها هكذا ولكن هذا حال الكثيرين... ولعلها في بعض الأحيان تبعية واستحسان للعبة ناجحة أو تعبير عن قلوب كاسحة لم تعد تحس... ولكن عندما نداوم على الخطأ دون أن نتساءل هل أخطأنا مرة واحدة لن يكون هناك مبرر غير الانخراط في لعبة قبليّة بغيضة قد تدخلنا لاحقا في حرب أهلية بين العروشات والولايات... الحياد من أبجديات الإعلام خاصة في المسائل الوطنية... قول الحقيقة ولو على نفسك ومن تحب وضد مصلحتك... بل حتى لصالح خصمك ومن ظلمك حين يكون على حق "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا" (المائدة 8)
إنكم بتصرفاتكم الممنهجة لصالح جهة معينة تغذون نزعة القبليّة وتزرعون الحقد والكراهية والغل والاحتقان والنقمة، وتصنفون البلد حسب مناطق... كل يدافع عن منطقته الضيقة ويعتقد أن الخير يجب أن يكون لها دون غيرها ويستكثر نجاح الأخرى بل لا يتمناه أحيانا كثيرة... إنها منافسة غير شريفة، تجعلنا مشتتين مفتتين عوض أن نكون متضامنين متحابّين متّحدين... بل أصبحنا متحدّين لبعضنا، نفرح لشر الآخرين ونفتخر بتفوقنا عليهم ونسخر منهم وننقص من شأنهم ونرغب أن نكون نحن أو لا أحد.. كان هذا خاصة في الرياضة وكان مفهوما قليلا وسط المباراة... أما قبلها وبعدها فنحن متحابّون و"الفائز صحة ليه" و"لتكن الغلبة للأفضل"... أما الآن فازدادت العصبية في الرياضة ثم سرت العدوى في بقية المجالات...
المواطن أصبح نارا تشتعل في كل لحظة، والتونسي أصبح أقل تسامحا وأكثر عنفا وأقل تفهما ومحبة لغيره... هذا ما فعله الزمن والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، فحاولوا نشر التسامح والحيادية والمحبة وانتصروا للقيم النبيلة أنّى وُجدت معنا أو مع غيرنا ولننقد أنفسنا كما ننقد غيرنا... نغطي الأسماء ونعطي لقيصر ما لقيصر... أما ما سوى ذلك فليس سوى فتنة وصبّا للزّيت على النّار التي تشتعل منذ زمن... ألا هل بلّغتُ...

تعليقات
إرسال تعليق