صفاقس : يا مزين م البره آش حالك من داخل


أكتب هذا المقال بألم يعتصرني وقلب يوجعني... ولكنني مطالب به لقول كلمة الحق أمام الله وأمام الناس... منذ سنوات ونحن نصرخ بأعلى صوتنا : ما يحدث في صفاقس مفزع ومرعب... ولكم أن تعودوا إلى مقالاتنا السابقة مثل "صفاقس تؤلمنا" أو "صفاقس الأولى في البكالوريا والأخيرة في الوعي" أو مقال سبتمبر الفارط "هذه حقيقة بعض الصفاقسية" و"صفاقس الأولى دائما...." والقائمة تطول... لطالما نبهنا أبناء جهتنا من ظلمهم الذي فاق الحد في كل المجالات : التعليم والصحة والثقافة والفلاحة والبيئة والصناعة والسياحة والاجتماع والاقتصاد والرياضة... ولكنهم كانوا عن كلامنا معرضين ومن تحذيراتنا مستهترين ظنا منهم أننا لإنجازاتهم من الباخسين... وربما أجابونا ذلك الجواب الحاضر دائما على لسانهم بسبب أو دون سبب وهو أن صفاقس تتعرض لمؤامرة كونية أو على الأقل من المركز...  

أولا هل المركز هو الذي منعكم أن تهتموا بفلاحتكم فلم تغرسوا أشجارا وتركتم الأراضي بورا ؟ كم حذرنا من نقص أشجار اللوز وحتى الزيتون ومن الأراضي المهملة والفلاحة المتروكة مقابل صعود صاروخي متوحش للبنايات الشاهقة والعمارات الثقيلة حتى في الزنق... إدارة الغابات مغلقة إلا في عيد الشجرة وفي أيام معدودات... وقد فقدنا الشتلات حتى مقابل المال فإن وجدت تكون أغلى من المناطق الأخرى... مدنية قاتلة وقلوب كاسحة وحب للمال لم يكن في السابق من سمات الصفاقسي... صفاقس الأولى في الاحتكار وغلاء الأسعار... يكفي القول إن "الكسكروت" والفريكاساي أغلى ثمنا من حي النصر... وإن الكراء أو الليلة في فندق متسخ بنجمتين أعلى ثمنا من نظيره في توزر أو عين دراهم مع خدمات أرقى ومعاملة أحسن والحديث عن تجربة... 
لوبيات متصلة ببعضها تحكمت في قضاء غير مستقل في أغلب الحالات مع تحياتنا للشرفاء من هذا القطاع... تلاعب بالملفات وقبر لها... فساد في بعض المستشفيات : في التلاعب بالأدوية والعلاجات لغير مستحقيها، في سوء المعاملة، في عدم النظافة من ذلك موضوع  النفايات الطبية التي لا نعلم مصيرها تماما مثل ملف النفايات المنزلية التي لا نعلم أين يلقون بها هي الأخرى بعد غلق مصب عقارب وغيره من المصبات لأسباب سياسية أكثر منها بيئية خاصة إذا علمنا أن البيئة لم تكن بخير من قبل ولا من بعد وأن آخر همهم العناية بالبيئة بل لقد منعوا مصبا في أراض دولية تابعة للدولة وبعيدة نسبيا عن السكان... 
حتى في الثقافة إن لم تكن من المقرّبين سيتم تهميشك وتبخيسك.. كثير من دور النشر لا تنشر بل لا تطبع أصلا وإنما تلعب دور السمسار الذي يذهب إلى مطبعة أخرى لا يخبرونك بها ويخرجون الكتاب في حلة سيئة بغلاف سيء ودون ألوان من الداخل وقد يربحون بعض الأموال في جيوبهم على حساب الكاتب الحلقة الأضعف الذي يفتكون منه دعم الوزارة إن وُجد... وكذلك حفلات التكريم والتوقيع والاستدعاءات والشراءات ودعم مندوبية الثقافة... 

لنأتي إلى الطامة الكبرى والخدعة الأكبر في السنوات الأخيرة على الأقل، وهي في مجال عزيز علينا دنسوه وشوهوه وخرّبوه وهو التعليم... صفاقس يا سادة ليست الأولى في البكالوريا ولكنها الأولى في الدروس الخصوصية... ولو تمّ تقنين الدروس الخصوصية حتى تكون شفافة سترون النتائج... مندوبو التربية والإداريون لم يكونوا عادلين في السنوات الأخيرة على الأقل... تلاعب بالنقل لصالح أصحابهم... تغوّل للاتحاد الجهوي للشغل الذي يتدخل في التعيينات والنقل وحتى جداول الأوقات والقاعات والتكريمات والترقيات... فمن رضوا عنهم يصبحون مبدعين ويأخذون أحسن الأقسام والأوقات ويحظون بالعناية الموصولة للسادة المديرين الذين يكونون في أغلب الحالات من النقابيين الأوفياء لأسيادهم ويكون ذلك حتى على حساب التلاميذ ويفرضون على الأساتذة الإضراب وعدم تسليم الأعداد والدفاتر والوقفات الاحتجاجية... أما مجالس الأقسام فقد تبدل فيها الأعداد وتلغى فيها قرارات فيرتقي تلميذ دون تلميذ حتى بعد انتهاء المجلس أو تغيير المدير... النوادي لا تعطى إلا للأصحاب والأحباب وتُسجل فيها كما الدروس الشاهدة أو حتى الدروس العادية صور وفيديوهات فلكلورية والمحتوى غير مهم في الأغلب... الأفكار تقبل من أستاذ ولا تقبل من آخر حسب درجة قربه من العصابات التي يكون رأسها في الغالب مدير المؤسسة الذي يفعل ما يحلو له مقابل الولاء للنقابة وبدرجة أقل للإدارة... والبيداغوجيا والعدل والوطن آخر همهم... صفاقس لا يكرّم فيها الذكي ولا المجتهد وما تدوينة التلميذة تماضر العلوش إلا غيض من فيض عما يفعلونه بكل ناجح أو حتى شبه ناجح إن لم يكن من "الشّلّة" نعوذ بالله من الذّلّة... 
صرخة الفزع ألقيناها بصدق منذ عشرات السنين، منذ أن رأينا تعيينات غير شفافة وأساتذة أقل كفاءة يفتكون أماكن من هم أجدر منهم بها... منذ أن رأينا تغول النقابة وتغلغلها في مفاصل الإدارة حتى أصبح المقياس رضاها لا رضا الله أو خدمة البلاد... ولهذا يبقى مديرون ومندوبون أعواما عديدة وأزمنة مديدة ساخرين من الوزراء المقالين والرؤساء المتبدّلين... حتى عديد المتفقدين تتم ترقيتهم بفضل النقابة التي يشكرون فضلها علنا على مواقع التواصل الاجتماعي وطبعا قد يكون ذلك على حساب العدل بين الأساتذة إذ تصبح أوامر النقابة هي المطاعة والمجابة... لن نتحدث عن سوء الاستقبال في بعض المؤسسات حتى أن الوزير أكثر تواضعا من المندوب أو المدير أو الشاوش الذي يحلو له التطاول على الأستاذ وتهديده بالضرب... وأخشى أن أنفجر أكثر وأقول ما هو أكبر... إنني أريد أن أحكي عن الظاهرة لا عن الأشخاص... فنحن أردنا دائما العلاج وحتى عندما كانوا يضحكون معنا كان قلبنا حزينا داميا وكنّا غير راضين ولاستهتارهم من المحذرين... 
الأولى في البكالوريا هي شجرة تخفي الغاب... ومع ذلك لم يكن ذلك دائما عن جدارة... واسألوا عن الدروس الخصوصية التي هي نوع من الغش القانوني وفيها كثير من عدم تكافئ الفرص... ولو تمّ سنّ قوانين منظمة سيتبدل الترتيب على الأرجح... واسألوا أيضا عن كيفية إسناد أعداد الرياضة والإعلامية التطبيقية في بعض المعاهد... وانظروا أين يوجد الأوائل في كل الشعب لتعلموا أنهم في النهاية ليسوا من صفاقس التي يتم فيها النجاح بمجموع التلاميذ وليس بالتميز... واسألوا بعد ذلك عن كيان ذلك الناجح أو شخصيته... هل يعرف كيف يتكلم أو كيف يناقش ؟ ما هي هواياته ؟ هل يستطيع حل مشاكل الحياة ؟... 

والله حذرناكم سابقا ونحذركم وسنحذركم بحسن نية ورغبة في الإصلاح ولكنكم لا تسمعون إلا أنفسكم... والناجح حقا يكون متواضعا ويسعى لتلافي النقائص حتى لو كانت قليلة ولا يكون عنيدا في رأيه أو متكبرا في شخصيته... هل من الذكاء والحكمة أن يقول البعض إننا سنظل الأوائل إلى يوم القيامة ؟ حتى الرؤساء والأنبياء والعظماء لم يفعلوا مثلكم... الله ينصر كل صفاقسي شريف ونظيف ولكن حال عديد الصفاقسية تبدل وهم عن ذلك غافلون عذرهم في ذلك شكر البقية لهم لأنهم مخدوعون فيهم ويرونهم من الخارج لا كما نراهم نحن من الداخل لأننا نعيش وسطهم ونلاحظ تدهورا علميا وأخلاقيا غير مسبوق في اليابان عفوا في صفاقس التي لم تبن قنطرة بمجهوداتها ولم تصلح حتى طريقا بقطع النظر عن المركز المتآمر عليها دائما... نحن نعمل بسمعتنا ورصيدنا السابق ولكن هناك متغيرات سلبية في التعليم وغير التعليم غزت المدينة... هل أصبح تلاميذنا محقونين بعمليات تجميل وهمية أو مثل نفخ الخضر غير البيولوجية حتى يعلو ثمنها... أنحن بصدد خداع الآخرين أم أننا لا نخدع إلا أنفسنا ؟ صفاقس مثل "جلال" في مسلسل "يا زهرة في خيالي" تتقن تمثيل دور الطيب المجتهد بينما الحقيقة مرّة ومرّة جدّا... 

كل ما نتمناه هو الإصلاح والوعي بالتدهور الحاصل في المدينة بعيدا عن عقلية دور الضحية، فإن لم نتلاف ذلك فلن نستطيع الحفاظ على الريادة لا في التعليم ولا غيره مهما فعلنا أو مهما تحايلنا على الحقائق... 

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة