إعلامهم النبيل وإعلامنا العليل

 


المتأمل في قنواتنا التلفزية يبكي حال الإعلام التونسي الذي تجاوز التفاهة والميوعة نحو الترذيل والتسطيح و"التسطيك" والتدجين وتجاوز البلادة والركاكة نحو القعود والجمود والتأخر عن كل العالم... فقنواتنا أصبحت "سوق ودلّال" للطناجر والماعون والزرابي والجراري والوسادات والأثاث والهواتف والإلكترونيات والأحذية والأدوية والأعشاب... وغير ذلك مما صدقوا فيه أو كذبوا من الإشهار لشتى أنواع المنتوجات... وكان يمكن أن تخصص لذلك مساحة من المساحات وساعات من ساعات، لا أن يكون الأمر مفتوحا في كل ساعة وفي كل يوم وحتى عندما تكون هناك برامج أخرى يقطعون عليها بالبصل ويقدمون لنا هذه الفقرات السمجة حتى لو كانت صادقة... ومع كل ذلك، تواصل الوطنيتان وبقية القنوات مهرجان الإعادات البليدة المجمِّدة للفكر وبرامج البوز والإثارة والمناقشات والمناكفات والعراك والصراخ ومواضيع الركاكة وبالجملة فهي كما كل شيء عندنا تقريبا هدفها إضاعة العقول والأعمار في خراب دون إعمار وفي هدم كل دار... 

ولو ألقينا نظرة سريعة على العالم الذي نسميه "كافرا" وعلى البلدان التي آمنت بالعلم والبحث والاجتهاد والتجديد بعيدا عن نتائج الباكالوريا المفخّمة التي تجاوزت 21 / 20 عندنا دون أثر يذكر وشهادات الدكتوراه التي أصبحت تباع بالأموال حتى لو كان ذلك بالحلال عبر دروس خصوصية حتى في الجامعات هدفها حشو الأدمغة من أجل صبّ المعلومات صبّا في امتحانات آلية خالية من كل ابتكار مع ثقافة عامة في انهيار... فأن تكون طبيبا أو مهندسا أو أستاذا أو حتى وزيرا لا تعلم إلا اختصاصك وتسرد المعلومات كالآلة المبرمجة لا يعني ذلك أبدا أنك ذكي وناجح في الحياة الفعلية ولكن الكل عرّف النجاح حسب المظاهر الخدّاعة وهنيئا لهم بالخدع البرّاقة... في قنواتهم نجد برامج تهتم بتثقيف الإنسان وتنويره من وثائقيات وأفلام راقية وحوارات نبيلة وألعاب فكرية بناءة وفدلكة أنيقة وومضات إشهارية لطيفة وأخبار ظريفة وبالجملة برامج خفيفة تختصر الوقت وتعطي لكل ثانية حقها وتهتم بالذوق حتى في موسيقى الجينيريك وتهتم بكيان الإنسان وتسعى أن ترتقي بفكره وذوقه وروحه ففي بضع دقائق تتعلم أكثر من 20 معلومة في الحياة وتخرج مليئا بالكنوز والمهارات والاكتشافات والمعلومات المفيدة.. 

أما عندنا فنحن نائمون جامدون مخاصمون، للبلادة مخلصون وفي التفاهة غارقون وفي جملة واحدة لساعات غارقون وفي إضاعة الأوقات ماهرون وللإعادات مواصلون وفي الانحطاط غارقون ومع ذلك فنحن للمعرفة مدّعون وفي الفخفخة والمكابرة والتفاخر أننا الأفضل متطاوسون... وهذه من علامات الانحطاط الكبرى التي يزيد من تأكيدها أننا لسنا لها متفطنين... فالذي لا يعرف عيبه لا يمكن له أن يتقدّم... أسفي على إعلام بلدي الذي يتأخر بينما كل العالم يتقدم في ثورة علمية وتكنولوجية ضخمة كان يجب أن نسايرها... والمشكلة ليست مادية بل فكرية في الافتقاد لروح الإرادة والمبادرة والرغبة في الإصلاح.. فبكاميرا واحدة وبحاسوب واحد وباستوديو بسيط يمكن صنع المعجزات وقد فعلنا ذلك إلى حد كبير في ما مضى إلى حد التسعينيات وبدرجة أقل في بداية الألفية حتى أتت انتفاضة 2011 لتهدم الدولة من حيث أراد البعض الإصلاح والتطوير... فكيف كنا أكثر نبلا ونجاحا في زمن قلة التكنولوجيا والمال والمعلومات وكيف أصبحنا أكثر بلادة حين أصبحت الإمكانات متاحة والديمقراطية والأفكار مباحة ؟ ولماذا طالت الركشة ومن العمل الجاد الصادق الاستراحة ؟ وفي كل هذا نسأل كما سألنا من قبل متى الاستفاقة ؟      

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة