عدونا الحقيقي أنفسنا وليس نتنياهو

 


تتعالى صيحات الاستغاثة من الشعب الفلسطيني المسكين منذ أكثر من 70 عاما ولا من مجيب.. وتتوجه أصابع الاتهام دائما إلى إسرائيل المحتلة أو الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا أو بقية بلدان العالم... والواقع أنّ المذنب هو نحن "وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ" النّساء 79... نحن العرب وأشباه المسلمين الذين لم نسلّم لله ولم يسلم بعضنا من بعض ولم تسلم حتى البشرية منّا فنحن متعصبون ومستهلكون قليلو الإنتاج والتفكير وعالة على العالم، نعشق الميوعة والركاكة والجهل والخرافات والبخل والكسل ودور الضحية والمرح والمجون ونعشق خاصة الخيانة والغدر والمكر ببعضنا وكره بعضنا وتدمير بعضنا... ماذا لو تركتنا أمريكا وإسرائيل وكل بلدان العالم نفعل ما نشاء ودون المؤامرات التي بعضها صحيح وكثير منها خطأ، هل كنا سنتقدم فعلا وتُحَلُّ كل مشاكلنا ؟ لو صدق كل واحد منا القول مع نفسه، سيجيب بلا... والسؤال الثاني الصادق الذي يجب أن نطرحه : كم لدينا من نتنياهو في تونس أو في صفاقس ؟ أليس لدينا مثله بل أسوأ منه ؟ وإن كان نتنياهو في حرب كونية بين إيديولوجيات متصارعة بعنوان أكون أو لا أكون فهناك من هم من بني جلدتنا من أقاربنا أو جيراننا أو من زملائنا من يحاربوننا دون سبب من حيث كان يجب أن يكونوا عونا ومحبة لنا... بل فيهم من لا يظهر عداوته ثم يغدرك بنفاقه والعدو الخفي أخطر كما نعلم من العدو المعلن... وإذا كان نتنياهو دمّر في إطار الفعل وردّ الفعل والصراع منازل وبنايات مادية فهناك منّا من يدمّرها مادّيّا ومعنويا كما يدمّر كيان النّاس وكرامتهم... وهؤلاء يفعلون ذلك دون سبب ودون حتى أن نبادرهم بشيء فقط لأننا لا نعجبهم... فأيهما أخطر لو صدقنا القول مرة أخرى ؟ نحن لا نحتاج إلى سب نتنياهو صباحا مساء ويوم الأحد والغريب أننا أصدقاء لأمريكا وإنجلترا اللتين هما أخطر من إسرائيل وسبب وجود الاستيطان على كل حال... ونحن لا نحتاج حتى إلى سب كل الدول الداعمة للاحتلال بقدر حاجتنا إلى العلم والعمل والأمانة والرصانة والحكمة والشرف والأخلاق الحسنة... هل تعلمون أنّ ميزانية إسرائيل في البحث العلمي تفوق ميزانية الدول العربية مجتمعة لذلك ؟ هل تعلمون أن الاسرائيليين والغربيين يحبون بعضهم ولا يغدرون ولا يتقاتلون في ما بينهم ونحن منذ زمن الرسول وقبله وبعده نعشق الفتن الكبرى والصغرى... الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون يفتكون ببعضهم البعض حتى دون وجود إسرائيل... فتح وحماس تتخاصمان على أرض ليست ملكهم بعد... من غدر بالرئيس الشهيد صدّام حسين المجيد يوم عيد الأضحى المبارك وقدّمه كبش فداء جزاء على صدقه وشرفه ؟ ومن سعى للتنكيل به وبأرض العراق وسوريا ولبنان وتآمر على أمن الدول العربية ؟ حتى لو كانت أمريكا وغيرها مستفيدين مما يحصل، فنحن من سمح لهم بذلك... أوليست الحركات الإسلاموية الكافرة هي التي تزرع الخوف والإرهاب وتفتك برقاب الناس وأمنهم ووحدة أوطانهم قبل إسرائيل وكل الدول التي تساندها ؟ من يقتل العلماء ويحبط الكفاءات ومن يدمر العائلات ومن يحب الرشوة والفساد والمحسوبية والاحتكار والمضاربة وإفساد التعليم والثقافة والفلاحة والبيئة والصحة والنقل وحتى الرياضة ؟ وكيف حال نفسية الشعوب التي أصبحت ميّالة للتفاهة والبلادة والكسب السهل والأنانية واللامبالاة وعدم الإحساس بالآخرين وقتل الوقت وسوء استثماره بالإضافة إلى الغش والظلم بكل أنواعه والغلظة وسوء المعاملة ؟ كل هذا وأكثر من صنعنا وهو متأصل فينا قبل إسرائيل وبعدها إلا إذا استفقنا يوما وهو أمر صعب إذا واصلنا نفس المناهج الأصولية الجاهلة المنغلقة العنيدة المستكبرة...

لنريح ضمائرنا، نرفع علم فلسطين ونهتف بالشعارات ونتوعّد ونتهدّد إسرائيل ونسبّها ونتظاهر بالبطولات الفارغة ونحن لا نستطيع حتى رفع قمامة أو الحديث بلطف مع جار أو زميل أو أحد الأقارب... من نحن ؟ علينا أن نعرف أنفسنا ومواطن الخلل الكامنة والمتغلغلة فينا وأن نسعى للإصلاح... هؤلاء الذين يدّعون حب فلسطين من بيننا، تجد الواحد فيهم مستعملا لنفوذه أو دافعا لرشوة أو ظالما لأحد... هل حاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا ؟ هل يستطيع الواحد فيهم أن يضحي بعطلة في نزل 5 نجوم أو حتى مباراة في كرة القدم أو شهوة البطن والجنس فضلا عن أن يضحي بحياته من أجل فلسطين ؟ من منهم من أمثال ياسر عرفات وصدام حسين ومروان البرغوثي وغيرهم من القلائل الذين ضحوا فعلا بحياتهم من أجل فلسطين أو حتى من أجل أوطانهم ؟ نحن نخون أوطاننا وننادي بحياة فلسطين في حين أننا -بصفة عامة- ميالون للسهولة ونحب اللذات ونتفادى الصعاب ونعشق الشكوى والمظلومية بسبب أو بغير سبب من الرضيع إلى التلميذ مرورا بالشاب والكهل وصولا إلى الشيخ... كل واحد مسكين وعنده ظروف... لو فتحت فايسبوك ملايين العرب لوجدت الجميع يقول إنه مسكين ومظلوم ولم تخدمه الظروف... حتى الظالم فيهم يشتكي من الظلم... حسنا لم تخدمك الظروف، ولكن انظروا كيف يطوّعها الغرب لصالحه ؟ أين الصبر والجلد والعزيمة والرغبة في العلم والعمل والإخلاص مع الناس والوطن والتسامح في ما بيننا ومع العالم والقيم النبيلة ومنها العدل وحسن الخلق بصفة عامة ؟ 

نختم بمقولة للشيخ وسيم يوسف، وما أقل الشيوخ المخلصين : "لو أرادوا أن يتآمروا علينا لقطعوا عنا فقط المكيّفات وسنختنق...". هل تعلمون أن معظم مكونات المسجد الحرام من سجّاد وسبحات وحتى كسوة الكعبة والمكيفات وصولا إلى الكتب والأثاث والثلاجات والفوانيس والكاميرات والسيارات والحافلات من صنع الصين وشرق آسيا وأوروبا والغرب ؟ وحتى عمّال النظافة والمعتنون بشؤون البيت المقدس من تايلاندا والبلدان المجاورة ؟ 

إذا أردنا أن نكون منتصرين على "الكفّار" علينا لا أن نسبّ ونمثل دور الضحية ولكن نحاربهم بالعلم والإخلاص والأخلاق الحسنة.  

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة