"ذهبتُ إلى الغرب فوجدتُ إسلاما ولم أجد مسلمين، ولما عدتُ إلى الشرق، وجدتُ مسلمين ولكنني لم أجد إسلاما"، هكذا قال واحد من الشيوخ القلائل الطيبين في هذه الأمة المنكوبة ونقصد محمد عبده قبل أكثر من 100 سنة وبالتحديد سنة 1882 عندما ذهب إلى مؤتمر باريس، وقد أصاب كبد الحقيقة التي يريد أن يطمسها الجاهلون المتعصبون...
إنه لمن أكبر المصائب وأسوئها أن يكون الفرد جاهلا ثم يواصل جهله ويدعي أنه يحسن صنعا... قال تعالى : "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" الكهف 104/103
إنّنا نحن الأمة العربية الإسلامية في أسفل السلم الحضاري وخاصة الأخلاقي وذلك الأخطر... كل الشيوخ يعرفون ذلك وبعضهم ينكره استكبارا وعلوا... كذلك تحدث عمرو خالد عن البلدان الغربية التي فاقتنا خلقا وتحدث العديدون بعده وقبله... فأول الإصلاح أن يعرف الإنسان خطأه، ثم يحسن النية ويشمر على ذراعيه للإصلاح... ولكننا مواصلون في غيّنا وضلالنا... عناد، كبرياء، وإصرار على الخطأ... أليست هذه من صفات الفراعنة والمكذبين المتكبرين الذين يغمطون الحق وينكرونه حتى من بعد ما عرفوه ؟ قال رسول الإسلام : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ" قال رجل : إنّ الرّجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال: "إِنَّ اللَهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ" (مسلم)
الأخلاق الطيبة بحر شاسع وتنقصنا كثيرا من ذلك غياب شبه تام للعدل والصدق والأمانة والوفاء والإيثار... ولكننا نؤثر اليوم الحديث عن حسن المعاملة وتقدير الآخرين وإعطائهم مكانتهم وأن نحب لهم ما نحب لأنفسنا وألا نؤذيهم وذلك قد يكون جامعا للأخلاق الطيبة كلها... انظروا حولكم... بقدر حرص الأوروبيين والغربيين بصفة عامة على كرامة الإنسان وتقديره وعدم جرح مشاعره وأن نبلّغ له حتى أقسى الكلمات بلطف والحرص على تثمين كلامه وعمله ومبادراته وتشجيعه على النجاح ومساعدته حتى في حال الفشل ومواساته في المشاكل ومحاولة تذليلها له واللطف والرقة والطيبة والهدوء والرقي وحسن اختيار الكلمات في التعامل معه، نحرص نحن على جرح الآخر وإحباطه وتيئيسه وتحطيم معنوياته وكسر شخصيته وهدم كيانه وحرق أعصابه والتعامل معه بتخويفه وبإرهاب فظيع وعنف وغلظة وشراسة أكثر من الحيوانات وتعصب وتطرف وسب وشتم وقلة حياء ولامبالاة وبرودة و"اخطى راسي واضرب"... بعض العرب لو استطاع أن يسعد وحده أو مع "الشّلّة" القليلة معه أو العصابة على حساب تعاسة كل الكون لفعل ذلك.. لو كان الرزق والرحمة بيده لما رحم أحدا ولما رزق أحدا ولاستفرد بها هو مع الظباع الحقيرة المرافقة له... مع ذلك فهم يدّعون العكس ويدّعون أن كل العالم في ضلال وهم وحدهم أصحاب الحقيقة رغم تحذيرات الله لهم أكثر من مرة... لم يفهموا الإشارات التي بعثها لهم على الأقل في العقود الأخيرة بل يواصلون بنفس الأسلوب بل أسوأ منه... فنحن وربّ العالمين نزداد شرا ومكرا ودناءة وانحطاطا وسوء خلق كل يوم... و"العزوزة هاززها الواد وهي تقول العام صابة"... إلاهي ليتهم يكذبونني... إلاه النّاس ليتهم كانوا أحسن قليلا مما أصف... ليتني بالغتُ بحرف واحد... إلاهي إنهم الشراسة بعينها... والأسوأ أنهم لا يعلمون ولا يريدون أن يعلموا ولا أن يصلحوا و"من لا يتقدّم يتأخّر"...
أخيرا، وبقطع النظر عن أنّ كنتم قد تعني الماضي وربما تعسّف عليها بعض الشيوخ، وتلك هوايتهم المفضلة لطمس الحقائق والتلاعب بالنصوص حتى الواضحة منها، ولو سلمنا أنّ كنتم تعني الديمومة في العربية وذلك يمكن أن يكون صحيحا ولكن انظروا إلى سياق الآية التي ربطها الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله الذي "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ" (النسائي، والبخاري ومسلم بألفاظ قريبة) و"مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا" (مسلم) وهذه قد تنفي حتى الإيمان والغش بمعناه العام حتى في كلمة كاذبة أو إفك أو خداع أو نميمة أو وفاء بالعهد أو صداقة مغلوطة وقس على ذلك أي خطإ بعيد عن الحقيقة و"لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ" (الترمذي)... قال الحق جل وعلا عن كل كذب وافتراء وتألّه وتألّ عليه : "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَهِ" آل عمران 110

تعليقات
إرسال تعليق