إلى الصادق قحبيش وأمثاله : أنديتنا لا تؤمن بالمشروع الرياضي وتهرسل المدربين

 

إنه لمن المؤلم حقا أن نرى ما وصلت إليه أنديتنا من جهل فظيع هو جهل لبعض التونسيين الجدد الذين أصبحوا أكثر غلظة وكرها وعنفا... فالجميع متفق على أننا نكره بعضنا ونحفر لبعضنا ونغدر ببعضنا كما قال القذافي حول العرب منذ قمة 2008... ولكن التونسي المتسامح والمتحضر إلى حد ما قبل 2011 زاد عنفه وتعصبه وزادت عجرفته وكراهيته إلى درجة لم يسلم منها أحد تقريبا : في العائلة، في العمل، في الشارع، حتى في المساجد أو التجمعات "الثقافية" التي يفترض أن تكون نبيلة متسامية راقية... وطبعا لم يشذ المجال الرياضي عن القاعدة حتى أصبح العنف في الملاعب داء مستشريا وحتى أصبح من غير الممكن حضور جماهير الفريقين بل قد تشتعل الحرب بين جماهير الفريق الواحد ولا يقبل الأمن أكثر من بضع آلاف من المشجعين ومع ذلك فالشغب حاصل سواء في حال الهزيمة أو حتى الانتصار... اللاعبون في ما بينهم وملتقطو الكرة والمسيرون والحكام والجماهير والمدربون كلهم في عراك مستمر وفي تشنج مستقر، فأين المفرّ ؟..

وفي كل هذا، تراجعت أخلاقنا وثقافتنا وشخصيتنا وطبعا كرتنا التي كانت تشرفنا كل سنة حتى أننا في سنوات خلت كنا نسخط عند تتويج فريق واحد بلقب إفريقي مع وصول الثاني إلى الدور النهائي... واليوم أصبحنا نخرج منذ الأدوار الأولى ونبحث عن إضاعة الأوقات وإثارة الاحتجاجات والاحترازات...

ومع كل هذا التراجع، لم يعد لنا بنية تحتية حتى أن رادس الملعب الوحيد الذي أعطاه الاتحاد الإفريقي رخصة تنظيم المباريات كان ذلك تفضلا منه "بالمزيّة"... وحتى المعلقون والمحللون لم يعودوا من طينة زمان ويخبطون خبط عشواء ومنهم الدكتور الصادق قحبيش الذي لم يكن صادقا في تحاليله حين هاجم مدرب النادي الصفاقسي دوس سانطوس وكأنه كان سيفعل أفضل منه لو كان مكانه... وكذلك أغلب المحللين الذين ليست لديهم مسيرة تدريبية أصلا وينتقدون ويهاجمون والمشاعر الغاضبة يثيرون في ثرثرة تنطبق عليها مقولة "المتفرج فارس"...

وحتى يكون كلامنا واضحا، نشير أن كل أنديتنا لا تصبر على مدرّبيها وتعجل بإقالاتهم منذ الهزيمة الاولى حتى أن بعضهم يقال بعد 3 مباريات أولى يخسر في واحدة أو اثنتين منها... والمحللون للنار مشعلون والمسؤولون والجماهير سريعة الغضب... طبعا فنحن أفضل من مانشستر سيتي الذي خسر مدربه 8 مباريات دون إقالة أو اليونايتد الذي أمعن كل مدربيه في الخسائر المذلة والفريق والجماهير دائما صابرة مصابرة ووراء فريقها مثابرة... ألا تذكرون أرتيتا حين قدم للأرسنال في أول مواسمه إذ احتل المركز العاشر في الترتيب وشبع هزائم... ولكن كان لديه هدف على المدى البعيد... لأن العجلة من الشيطان... ألا تذكرون كم انهزم زيدان مع ريال مدريد في البداية قبل أن يشتدّ عوده ؟ بل ألا تذكرون أفضل مدرب في العالم السير أليكس فيرغوسون الذي ظل مع اليونايتد 27 سنة حتى اعتزل بمفرده ولم يطردوه رغم الهزات التي حصلت للفريق أكثر من مرة وخاصة في بداياته إذ لم يحصد أي لقب خلال 4 سنواته الأولى ؟ ألا تذكرون أن فرقنا في الماضي كانت تعول على مدربيها وتصبر عليهم حتى يصلوا إلى النتائج المرجوة ؟ أتذكرون كراوتزن وديكستال ومحجوب في الصفاقسي واكسبرايا في الإفريقي وكاسبرجاك وسكوليو ولومار مع المنتخب ؟ أصبحت فرقنا كما الناس والتلاميذ يبحثون فقط عن الظاهر والمظاهر : النتائج... لا يهم كيف ولا يهم المستوى... المهم أن نحصد 20/21... ولهذا قلّت الروح الرياضية بينما لا بد من فائز ومن منهزم في كل مباراة والمهم اللعب النظيف الجيد وبذل أقصى المجهود... أين نحن من العمل القاعدي والخطط طويلة المدى ؟ بل أين نحن من احترام الإنسان المدرب عوض سبّه وهرسلته حتى حين ينتصر ؟ نحن لا يعجبنا حتى العجب العجاب، حتى أن عمار السويح وزبيربية وغيرهما أعلنوا عن اعتزالهم التدريب بسبب عنف مشهدنا الكروي وصونا للقدر والكرامة... 

حسنا، حتى لو حاولنا أن نذهب مع الأسرة الرياضية الكريمة بمنطقها العجول غير الصبور، لن نستطيع فهمهم... إذ نسألهم : لماذا أقال الملعب التونسي حمادي الدو بعدما حقق معه أبهر النتائج وأفضل الأداء وفاز معه بكأس تونس وأعاد الألقاب لباردو بعد 20 سنة من الغياب ؟ ثم بمن عوضوه ؟ بالمدرب الذي خسر أمامه في النهائي ويا للعجب ؟ أنطرد الرابح ونكافئ الخاسر ؟ ولماذا قال النادي الصفاقسي إن نبيل كوكي مطلب شعبي وكل الجماهير تريده ثم انقلبوا عليه وانتقدوه وطردوه ليجلبوا الكوكي الآخر محمّد الذي حقق معهم أفضل النتائج وحقق نقلة نوعية في النادي ليتم طرده بعد ذلك دون سبب مدّعين أنّ لديهم مشروعا مع المدرب البرتغالي دوس سانطوس الذي نجح في مصر والبرتغال ومع نادي بيترو أتلتيكو الأنغولي وعندما قدم الرجل، طعنوا فيه منذ الهزائم الأولى... فلو كان لديكم مشروع، لصبرتم حتى تتحسن النتائج وتحصل الآليات، ولكن العظماء أعظم من السيتي واليونايتد عندنا لا يصبرون فنحن أرض سخونة... وحتى إن كان فاشلا لماذا جئتم به من الأساس ؟ وقبل كل هذا،  ألم تطردوا بعنف حسام البدري وكريم دلهوم مرتين وبوجلبان مرتين وها نحن نراه اليوم متألقا مع ترجي جرجيس صاحب المرتبة الأولى ؟ هذا ولم يتحدث أحد عن اللاعبين الذين هم سبب الداء بسبب تكاسلهم ونقص العزيمة والروح لديهم وكثرة شكواهم ونواحهم وقلة عطائهم وتذبذب مستوياتهم حتى أن دحمان ذهب إلى السعودية فقبل عديد الأهداف وقالوا إن ذلك لضعف ناديه هناك فعاد إلى صفاقس ووجد مكانه وطردوا صبري بن حسن وجمّدوا قعلول رغم أنهما أفضل منه وكذلك طردوا شوّاط وبن علي اللذين يتألقان حاليا... فحتى مع اللاعبين، تصبرون مع البعض وتهرسلون البعض... 

فمتى تتبدل العقليات وتتحسن أخلاقنا ونتعلم قليلا من الاحترام في الإدارة والكرة وغيرهما من المجالات ؟ نحن نعشق الهرسلة والعنف وتطييح القدر للناجح وحتى الذي يخطئ مرة نعشق إعدامه ظنا منا أننا علماء وجهابذة وأفضل منه، وبالتالي فكلنا نهرسل بعضنا والدور جاي علينا جميعا إلا بعض العصابات في الكرة أو الإدارة وهي الفاشلة حقا وقالوا لنا سنبقى في أماكننا وسنسخر منكم فنجيبهم كما أجاب قوم نوح الساخرين منهم عندما رأوهم يبنون السفينة تحسّبا للطوفان : "إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ" هود 38 
في انتظار طوفان إيجابي يصفي بلادنا العزيزة من الساخرين الظالمين الحاقدين العنيفين المتكبرين... أما في وضعنا الحالي، فلن ينجح معكم أحد حتى الأنبياء والعلماء والصالحون...   

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة