أزمة قرآن في التلفزيونات التونسية

 


غريب ما يحصل في التلفزيونات التونسية العامة والخاصّة... فبقطع النظر عن الميوعة والبوز والتهريج والأداء غير البهيج، وبقطع النظر عن تخليها -بصفة عامة- عن دورها التثقيفي الترفيهي الإخباري، وبقطع النظر عن الإعادات والرتابة والملل وحصص الطبخ والمسابقات والسوق والدّلّال والبرامج التجارية الكثيرة التي غطّت بها أغلب ساعات بثّها، نلاحظ خللا في أكثر من جانب في ما بقي من برامجها الهادفة على غرار ما يحصل مع القرآن الكريم... إذ عندما كنا صغارا كنا نستمتع بافتتاح الإرسال على تلاوات عذبة لعديد القرّاء وفيها آيات مختارة ذات معنى مع المراوحة بين صورة القارئ الذي كان يجلس متربعا ويقرأ القرآن مترنّما معطيا كل حرف حقه وبين صورة الآيات من الكتاب وكان كل شيء مضبوطا ومتقنا بصفة عامّة...

أما الآن فإننا نستغرب ممّا يحصل... فعديد التلفزيونات الخاصة لا تمرّر آيات من القرآن الكريم ولو ل5 دقائق في اليوم مع أنّ لديها الوقت لأشياء أخرى تعيسة وتافهة... أما التي تمرّر الآيات -ونشكرها على ذلك في النهاية- فتعاني من نقائص عديدة... فهناك قراءات شرقية لا بأس بها ولكن لماذا لا نراوح بينها وبين القرّاء التونسيين ؟... وهناك في جميع القنوات صورة للآيات فقط دون صورة القارئ... ولنعترف أن قناة حنبعل تبثّ آيات من الذكر الحكيم لمدة تزيد عن ساعة بصوت المقرئ علي البرّاق ولكنها أحيانا مصحوبة بخلفية ثابتة للكتاب الذي لا نرى إلا غلافه وأوراقه من بعيد دون متابعة الصفحات والآيات... فإن وُجِدت متابعة فهي برواية حفص بينما البرّاق يقرأ برواية قالون فليس هناك تناسق بل هناك اختلاف بين القراءة والمكتوب مما قد يحدث لخبطة وانزعاجا في ذهن المتقبل وربما يظن بعض الصغار أن هناك أخطاء أو تحريفا للقرآن... ومع كل ذلك نشكرها ونشكر قنوات الجنوبية والإنسان وكل القنوات الحريصة على هذه الفقرة الدينية ومعهم وربما قبلهم نشكر الوطنيّتين 1 و2 رغم النقائص أيضا... فهاتان القناتان اللتان تربّينا على تلاواتهما الرائعة، بصوت المقرئ المميّز علي البرّاق تكتفيان، ونادرا ما بعض القرّاء الآخرين تمرّران... فكيف ذلك ونحن نعلم أنّ أرشيفيهما بالدّرر والكنوز القرآنية ممتلئان... فلماذا لا نشاهد تلاوات للمبدعين مختار السقانجي وأحمد الشحيمي رحمهما الله وغيرهما من المميّزين كعثمان الأنداري وعبد المجيد مامغلي ؟... مازلنا نحفظ صورة السقانجي والشحيمي اللذين بالقراءات العذبة لآذاننا يشنّفان مما تيسّر من سور إبراهيم والإسراء والسجدة والفتح وفصلت والحجرات والزمر وغافر والحديد والحجر والانشقاق والبروج والطارق والأعلى والأنعام والرحمان وغيرها من سور القرآن... فأين كل تلك التسجيلات التي علمنا أنها أبدا ما ضاعت ؟ لماذا يركّزون في معظم الأوقات على قارئ واحد هو الكبير علي البرّاق وعلى سور بعينها كالبقرة وآل عمران والمائدة والأعراف وقصار السور، فلماذا عجزنا عن التنويع ؟ نقول ذلك ونحن نرى أنه في رمضان 2007 قدمت الوطنية تونس 7 آنذاك تلاوات لقراء مختلفين من سور مختلفة مسبوقة بشرح لأهم معانيها التي تتماشى مع كل يوم (فتح مكة، غزوة بدر، ليلة القدر، ...)... أليس ذلك من بين أدوار التلفزة التثقيفية التوعوية التي مع التفتح تحفظ الأصالة والهُويّة ؟
إننا نتحسّر على فقدان هذا التنوع وهذا الثراء الذي تحتوي عليه التلفزة الوطنية والذي لا يحتاج إلا بحثا بسيطا لاستخراج هذه الكنوز القيمة كما أننا نتحسّر في صورة لم تكن للمقرئين الكبيرين مختار السقانجي وأحمد الشحيمي ختمتان كاملتان كانتا ستفرحاننا وتعلماننا كثيرا، ولكننا نعلم أنه على الأقل لديهما تلاوات عديدة للذكر الحكيم تفيد السامعين... وآخر خطإ يصعب تقبله للوطنية هو عدم بداية بعض القراءات بالاستعاذة من الشيطان الرجيم وختمها بصدق الله العظيمُ مشكولة خطأ كما تبينه الصورة وكأننا نجهل أن المنعوت يتبع النعت.. ولم الاجتهاد في شكلها إن كنا سنخطئ في ذلك ففي العادة لا نشكلها... 

من جديد، نشكر الوطنيّتين وغيرهما من القنوات على مجهوداتهم ولكننا فقط نريد أن نحسن من مردودهم وللأخطاء الكبيرة أو الصغيرة ننبّههم آملين أن تجد ملاحظاتنا هذه آذانا صاغية.  

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة