غريب أمر القنوات التونسية العامّة والخاصّة... فقد قبلنا راحتها المطولة على امتداد الصيف في وقت كان يمكن فيه أن تكون أكثر نشاطا وحيوية تماشيا مع هذا الفصل الذي تكثر فيه الثقافة والترفيه من عروض وأفكار وأعمال وأحداث ومناسبات وزيارات... نحن الذين كبرنا على مفهوم هو جزء لا يتجزّأ من الإعلام وهو الشبكة الصيفية حتى أن حاتم بن عمارة كان يلبس "شورط" وهناك تغطيات خاصة ومنوعات تتماشى مع الأجواء الجميلة في بلادنا وحصص ألعاب ومسابقات وترفيه ومسلسلات تونسية وشرقية مع إعادة أعمال كانت مدروسة وكنا ننتظرها طيلة عام أو أعوام كاملة وكانت تتمّ قليلا وبطلب ملحّ من الجمهور بالإضافة إلى فقرات للأطفال وغيرها من البرامج حتى نشرة الأنباء كانت تأتينا على الساعة الثامنة والنصف عوضا عن الثامنة حتى أصبحت تأتينا على الساعة السابعة سنة 2005 عندما تمّ تزييف التوقيت الحقيقي وإضافة الساعة الزائدة الدودية كما وصفها المرحوم عبد الرّؤوف المقدّمي في جريدة الشروق... مفهوم الشبكة الصيفية الذي مازال في كل تلفزات العالم وإذاعاتها إلا تلفزاتنا التي تكتفي بالبايت والمجمّر الذي انتهت صلوحيته وتعفّنت رائحته خاصة مع الطقس الحار الذي يفسد الأكل البايت... وقد تتحايل القنوات وتسمي ذلك بالإنجليزية Best of والتي تكتبها Best off... وذلك ليس خطأ لغويا كما يظنه البعض وإنما هو تصريح صريح علني وواضح من قنواتنا أنها في مرحلة الإطفاء وعدم الاشتغال... وقد قبلنا كل ذلك وقبلنا أنها ترتاح شهرين وتعود في مفتتح سبتمبر بالجديد أو بعض الجديد... ولكنها مدّدت راحتها إلى منتصف سبتمبر، فقبلنا ذلك... ولكنها مدّدت مرة أخرى وقالت حتى أكتوبر، فقبلنا ذلك... ولكنها مدّدت كرّة أخرى إلى أجل غير مسمّى... وقد بدأت بعض البرامج تعدّ على أصابع اليد الواحدة في الظهور في بعض القنوات في الأيام الأخيرة، ولكن مازال الغالب عليها الإعادات والبلادات... فبماذا ستبرّرون هذا التراخي ؟ لن نقبل منكم أي عذر... إذ ليس هناك إفلاس مادي بقدر ما هناك إفلاس فكري وضعف في العزيمة والإرادة أصاب أغلب التونسيين الذين لم يستطيعوا بعد 60 سنة من الاستقلال وعشرات وزراء التعليم بعد 2011 أن يفتتحوا قناة تعليمية بينما فعلها أشقاؤنا الذين نحتقرهم في ليبيا والجزائر واليمن والعراق وفلسطين التي نريد أن نحرّرها ونحن لم نتحرّر بعد من الجهل والحمق والاجترار والكسل وسوء الأخلاق إلا من رحم ربّك والحمد لله أنه مازال بعض الخير في الدنيا... ولكنه قليل أمام موجة التفاهة المسيطرة على العقول والتي جعلت منا عاجزين عن خلق أفكار خلّاقة ترتقي بالمشاهدين تثقّفهم وتمتعهم وتسعدهم... عاجزون إلا عن برامج رياضية ومنوعات بغثها وسمينها... عاجزون عن تقديم وثائقيات باستثناء بعض المحاولات من إقبال الكلبوسي وأمثاله... عاجزون حتى عن إنتاج مسلسلات أو سكاتشات تدوم 5 دقائق كل يوم... ولو كان هناك نادي سينما أو مسرح لفعل ذلك بسهولة ودون تكاليف مادية تذكر.. لماذا ولدينا كتّاب وممثّلون جيّدون ومخرجون عاطلون ويمكن إخراج المنوعات والسلسلات بأقل الإيرادات لو قويت الإرادات وزادت قليلا المجهودات وتحمّل الجميع المسؤوليّات...
ارتاحت التلفزات ولم تخلق شيئا جديدا في الصيف ولا في الشتاء ولا حتى في رمضان وبقيت تجترّ إنتاجها المتوسّط أصلا وسيبقى ذلك وصمة عار في جبين من أوكلت له المسؤوليات... فأقل صانع محتوى يغلبهم في مواقع التواصل الاجتماعي وفي الانترنت... النقطة المضيئة الوحيدة هما الوطنيّتان اللتان على أقل الجديد تحافظان رغم الاجترار الوحشي اللامقبول للماضي ولكنّه ماض جميل مقارنة باجترار بقية القنوات للرديء، فأرشيف القناتين العموميتين غنيّ ويملأ المساحة... وذلك يفترض أن يجعلهم أكثر حماسا لصنع الجديد، إذ لا يُعقل أن يستغلّ الأحفاد عرق الأجداد ومجهوداتهم دون تقديم الإضافة... فكيف تعب أجدادنا في صنع محتويات مقبولة وحتى راقية في زمن ضُعْفِ التقنيات وقلة الإمكانات وعجز الأحفاد عن تقديم إبداع مماثل في ظروف أسهل وتقنيات أكبر ؟ ها قد تركوا لنا إرثا جميلا لنستهلكه دون عناء كالهندي المقشّر فماذا سنترك لأحفادنا من بعدنا ؟ ألا نرغب في تخليد ذكرى طيبة وصنع تاريخنا ؟ أم ترانا نخيّر الجمود والمرور من التاريخ مرور الكرام ؟ والتاريخ يسجّل الإيجابي والسلبي فمتى سنستفيق ؟
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق