هذه حقيقة بعض الصفاقسية

 


ما يحصل في صفاقس محزن ومرعب منذ زمن وخاصة في السنوات الأخيرة... صفاقس تعمل برصيدها السابق وسمعتها المعروفة بها من قبل بأنها مدينة علم وكدّ وجهد وخلق وطيبة ومحبّة وبساطة... ولكن الواقع مخالف لذلك تماما...

صفاقس مخدوعة من قديم الزمان بشيء اسمه الأولى في الباكالوريا... وكأنّ ذلك كاف لتقييم نجاح الإنسان... بل إن جامعتها تريد أن تكون الأولى أيضا وتتحايل على جامعة المنار وغيرها وتحاول فبركة الإحصائيات أو إلقاء الضوء على جانب مشرق منها وطمس جوانب أخرى... لن نتحدّث عن سوق الدروس الخصوصية ولن نتحدث حتى عن شبهة اختلاس أموال تلك الدروس في بعض الإدارات حسب إفادات بعض الأولياء الذين لا يشتكون لأن تلاميذهم ينجحون وتلك صفقة رابحة لهم في النهاية... هل أصبحنا مثل الدجاج الملقح أو الطماطم المنفّخ أو المرأة التي قامت بعملية تجميل أو تكبير الشفاه ولم نعد طبيعيين مثل الفلاحة البيولوجية ؟ حين تتجوّل في شوارع المدينة لا ترى أثرا لتحضّر ولا لتخلّق إلا من رحم ربّك... نعم فسدت الدنيا في كل الأماكن ولكنها لا تفتخر بنفسها ولا تتبجّح وترائي مثل هذه المدينة... مدينة طغت المادّة على العديدين فيها حتى أصبح الكسكروت والفريكاساي وثمن الكراء وثمن ليلة في نزل أغلى من المبيت في توزر أو عين دراهم مع فظاظة في الاستقبال حتى أن أحدهم لم يعطنا زجاجة ماء إلا بعد أن دفعنا له دينارين سنة 2008 وبتنا عنده 4 ليال فخفّض لنا 8 دنانير كاملة مع حشرة "الكفّار" في غرفته القذرة والآخر ليلته ب60 دينارا بينما الليلة في عين دراهم في نزل أفضل منه ب35 دينارا وفي توزر ونابل وبنزرت بين 35 و50 دينارا... لن نتحدّث عن ظلم النقابة ولا عن أخطاء رجال الأعمال وغش المقاولين في الصفقات العامة حتى إن بضع القناطر التي لدينا كل واحدة منها أُنجزت بعد مشاكل عديدة... لن نتحدّث عن تكالب السكان على بناء العمارات الشاهقة والقصور الفاخرة وسط الزنق على حساب الأرض والطبيعة ولن نتحدّث عن موت كثير من أشجار الزيتون وأغلب أشجار اللوز وعن التخلي عن العادات والتقاليد... نعم هذا في كل المدن ولكن صفاقس أكثر منهم وتدّعي النّظافة والأخلاق أكثر... لن نتحدّث عن الغدر ووضع العصا في العجلة والمحسوبية والرشوة والفساد وتعطيل الناجحين واللوبيات في التعليم والثقافة والصناعة والسياسة وفي عديد الإدارات... لن نتحدّث عن البيئة الملوثة والبناءات الفوضوية وقلة ضمير بعض الأطبّاء والمحامين بينما ندّعي أنّنا يابان وتقدّم وتحضّر...

كثيرا ما ركن الإعلام الجهوي وبعض الصفاقسية إلى تمثيل دور الضحية وأنّ صفاقس مستهدفة ومكروهة وهناك مؤامرة كونية حولها... ووالله لم يهلكوها إلا هم بتنطّعهم وكبريائهم وغرورهم وعجرفتهم... إذا أردتَ أن تعرف معنى القلوب الكالحة الكاسحة المالحة العنيدة اللامبالية والقاسية فانزل إلى صفاقس... إذا أردت أن تعرف العنف والفظاظة والأنانية والخيانة وسوء الخلق مع ادعاء العكس فانزل إلى صفاقس... إذا أردت أن تعرف معنى الغش والتهافت على المليم وبيع الضمير فانزل إلى صفاقس... 

الكل مخدوع بهم ويقولون صفاقس ذكية ومتخلقة... كان ذلك في الماضي مع النقاش... فنحن حتى في الماضي مجرد آلات وصفاقس تمثل فعلا فشل النظام التعليمي في بلادنا... فمن من متخرّجيها كان إنسانا فنّانا متعدّد المواهب جميلا روحا وجسدا نظريا وتطبيقيا ويقدر على حل مشاكل الحياة وحسن التعامل مع الناس إلا القليل منهم ؟ ومن من متخرّجيها أفادها بهندسته وتبرّع بعلمه للنهوض بالمدينة ؟ أغلبهم هاجر أو ظل يشتغل ليكدّس الأموال ولا يهمه مصلحة المدينة ولا حبّ ناسها... بل إنّ العديد من "المذخمين" يبني قصورا شاهقة ويلوث الشارع ويؤذي أهله وجيرانه وأصحابه... المدينة كلها ورشات بناء وكل قصر يضاف له طابق أو "قاراج" أو عشّ جديد... والله منذ 40 سنة وجيراننا يبنون ويشيّدون حتى بلغوا السّحاب ومازالوا يزيدون... 

لا بأس من كل هذا... ولا بأس من فساد المسؤولين حتى في التعليم... ولا بأس من ظلم كثير من المديرين والنقابيين الخائنين للوطن... المهم أن الجميع مخدوع فينا... ولكن الكذبة لن تدوم... وحتى الأولى في الباكالوريا والله لن تدوم... ربما يحصل ذلك السنة الحالية أو بعد 5 سنوات أو حتى بعد أن نموت... ولكنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا... أحد الطغاة قال : "صفاقس ستظل الأولى حتى قيام الساعة." أما الآخر فقال : "بقية الولايات تلاحقنا، نحن في خطر، وقد نتدحرج في السنوات القادمة وهذه مؤامرة لنا مثل كرة القدم !"
على فكرة، النادي الصفاقسي طردوا كل مدربيه من أنيس بوجلبان مرورا بكريم دلهوم وحسام البدري ونبيل الكوكي الذي كان مطلبا شعبيا ثمّ حقّروه وشتموه وصولا إلى محمّد الكوكي الذي أنقذ الفريق ثمّ رموه ليأتوا بمدرب أجنبي بدؤوا يسبّونه بعد مباراتين في الموسم الحالي... وقال أحد الإعلاميين إنه لا يشجع الترجي التونسي عندما يلعب خارج الوطن... بل إنهم يشجعون الأهلي المصري لأن فيه علي معلول... لاحظتُ كرها مبالغا فيه للترجي من صفاقس بينما لم ألاحظ ذلك عند شيخ الأندية التونسية... وكثيرا ما يركزون على التحكيم ولا يركزون على أخطائهم... رؤساء الأندية أيضا طُردوا وآخرهم منصف خماخم رحمه الله الذي قتلوه بسبّهم ونكرانهم للجميل ثمّ مشوا في جنازته... وهل سلم منهم وال ؟ كلهم مطرود حتى ابن المدينة فاخر الفخفاخ الذي عبّر عن مرارته من قومه... قوم عطّلوا كل مصبّ للفضلات حتى في الأراضي الدولية رغم أنّ آخر همّهم النظافة والبيئة والفلاحة المهملة منذ سنوات... ولكنه مكر سياسي...     

أخيرا، حدث لغط أو خطأ مطبعي حول نتائج الباكالوريا الأخيرة إذ على الساعة 12:50 كانت صفاقس 2 الأولى والمهدية الثانية وصفاقس 1 الثالثة لتتحوّل النتائج بعد 7 دقائق بقدرة قادر إلى صفاقس 2 الأولى، صفاقس 1 الثانية، والمهدية الثالثة... قد يكون ذلك هو الصحيح ولكن إذا كنتم لا تهتمّون إلا بالمظاهر الكاذبة وأنتم في الواقع تكرهون العلم والعلماء والثقافة، فحتى المظاهر ستفقدونها... صفاقس لن تكون الأولى في الباكالوريا وتلك مسألة وقت... قولوا قالها سامي النيفر ذات يوم... وإن متّ فأبلغوني إياها في قبري الذي أريدكم أن تكتبوا عليه : "مات مظلوما من قومه المتظاهرين بالأخلاق"... ولكن هل تعلمون أنّ القبور تنبش وتحطّم في صفاقس دون غيرها من الولايات ويحوّلون أمكنتها كل 10 سنوات تقريبا حتى أنّ أحد أجدادي حوّلوا قبره 4 مرّات منذ 1978 وهم لا ينجزون مشروعا مكان المقابر مثلما يدّعون بعد أن يكسّروها وهي التي تبرّعنا بأرضها ودفعنا ثمنها ثمّ نعيد دفع الثمن كلما حملنا رفات المتوفّى المقهور في مدينته حيّا وميّتا...

صفاقس ملفّ كبير من الفساد والشقاق وسوء الأخلاق ولم يتآمر عليها إلا أهلها بالدرجة الأولى.. وسيدفعون الثمن لأن الله لا يحب الظالمين باستثناء الطيبين فيها وهم قلّة... والزّمن دوّار...  

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة