في مثل هذا اليوم في 19 سبتمبر 2019 تُوُفّي ثاني رئيس للجمهورية التونسية زين العابدين بن علي... ولعلّ اللّغط والجدال حول شخصيّته مازال قائما بين مؤيّد أعمى وبين رافض متعصّب... ولعلّ هذا الرّجل في منزلة بين المنزلتين وربما يكون للخير أقرب...
لا نريد أبدا أن نمجّده ولا أن نزكّيه على الله الذي سيحاسبه إن خيرا فخيرا وإن شرّا فشرّا... ولكننا نريد أن يُكتب التاريخ بصدق دون مغالاة من هذا الجانب أو ذاك... فمعلوم أنّ الرّئيس الزّعيم الحبيب بورقيبة أراد طمس فترة البايات وخاصة الباي الأخير وأساء معاملته ومعلوم أن بن علي أراد محو فترة بورقيبة وكان يمرّ عليها مرور الكرام في تلفزيونه الحكومي ويحاول أن يجعل من 7 نوفمبر عيدا قوميا كما حوّل عيد الاستقلال وعيد الجمهورية وعيد المرأة وحتى بعض المناسبات الدينية وغيرها إلى فرصة لتمجيده... ويبدو أنّنا بعد 2011 نواصل نفس الأخطاء بمحونا الكامل ل23 سنة من حكم بن علي بحلوها ومرّها... ولعلّنا نخشى التقييم الحقيقي الأقرب إلى الصدق والكل سينظر من زاويته..
أعتقد أنّه علينا أن نقول ونشدّد ألف مرّة على أنّ من عيوب بن علي أنّه كان قليل الديمقراطية و"راسه صحيح" ولا يقبل النّقد ولكن ومن جهة أخرى، هذه صفات رجل عسكري من مواليد ثلاثينيات القرن الماضي وحكم منذ أكثر من 30 سنة في ظروف معينة وفي العالم الثالث ومع شعب مازال في طور النّضج والوعي بل لعلّه الآن أقلّ وعيا ونضجا مثل كل شعوب العالم التي مسّتها الميوعة والبلادة الفكرية ولا نعمّم... ولننظر أنّ أغلب الناس من العرب وحتى في العالم لا يقبلون النقد ومتكبّرون في رأيهم وأعتقد جليّا أنّ هذا عيب الإنسان الأوّل في هذا العصر وفي كل عصر... ألم يتكبّر كثير من الأئمّة والفقهاء والأساتذة والمحامين ورجال الأعمال والإعلام وحتى العامل البسيط ؟ من تراه يتراجع عن رأيه ويقبل بالرأي الآخر ويتحاور معه ؟ هذا عيبنا جميعا وليس عيب بن علي وحده... ومن المتناقضات أنّنا نلومه على نقص الحرية بينما كانت الثقافة في عهده أحسن حالا بكثير من التصحر الفكري الآن... وانظروا إلى دور النشر والكتب ودور السينما والجرائد الورقية والمسلسلات الدرامية والبرامج الرياضية وبرامج الأطفال والمنوعات والإنتاجات التلفزية التي نعيد مشاهدتها بحنين إلى الآن...
شيء آخر حكم زين العابدين بقبضة من حديد دون أن نقول إنه كان يخنقنا باستثناء بعض التصرفات الشاذة من رجال الأمن... وذلك الحكم جعلنا أكثر أمنا ولكن كان عليه أن يفسح مجالا أكبر للحريات... تخيّلوا أنّ الثقافة كانت مزدهرة في حكمه التسلطي فكيف لو فسح مجالا أكبر للتعبير... ومع ذلك فالكتب والجرائد والمسلسلات والإنتاجات شاهدة على أننا كنّا ننقد عديد الظواهر باستثناء شخصه الممجّد أكثر من اللّازم وعائلته وأعوانه وهنا بيت الدّاء... علينا أن نعترف أنّ المقرّبين منه جعلوا منه مستبدّا وأكثروا من مدحه كما الإعلام ولم يكونوا مجبرين بالضرورة بقدر ما كانوا متملّقين، وأنا متأكّد أنه لو وجد من ينصحه لانتصح ولو قليلا... بدليل أنّه بدّل اللهجة في خطابه الأخير الذي لا نجزم بصدقه ولا بكذبه ولكنني أعتقد أنّ بن علي كان سيحاول التغير قليلا على الأقل لمصلحته... فهناك فعلا من غالطه وعظّمه وهو رحمه الله استحلى هذا الدّور... ونعترف أنه كان هناك شبه تأليه له في وسائل الإعلام ومديح مزعج يستفزّ النّاس... من جهة أخرى، وهذا الأهمّ، فزوجته ليلى وأقاربه أكثروا الفساد والسرقات ولكن هناك من كان يتملّق لهم أيضا، وكان عيب الرّئيس أنه لم يردعهم وغض الطرف عنهم... ولكننا نجد أنّ كثيرا من المسؤولين في الإدارات بعد 2011 يسرقون ويجرمون ويغضون الطرف عن أعوانهم الظالمين وقد اتسعت رقعة الفساد والاستبداد والتهديد بعد 2011 حتى أصبحت كل فئات الشعب من الحارس والشّاوش وحتى المديرين والنقابات والمنظمات تتوعّد وتهدّد...
تلاحظون أننا نحاول فقط عرض الحقائق ورواية الأمور كما حدثت... أعتقد أنه يمكن أن نتفق في الحدّ الأدنى من التقييم أنّ تونس كانت مزدهرة في عهد بن علي أمنيا واقتصاديا وثقافيا وفلاحيا وبيئيا وسياحيا ورياضيا وإلى حدّ ما اجتماعيا وفي التعليم والصحة والنقل وكان التعصب أقل والمحبة أكثر والنظام والبساطة يَسُودَانِ نمط عيشنا... طبعا هناك نقاط سوداء في الفساد الذي بعد عهده زاد وفي الأمن والقضاء اللذين فسد حالهما أكثر الآن وكانت هناك مشاكل الفقر والبطالة والتهميش وكل ذلك استفحل وزاد...
نريد أن نقول كل هذا وأن نقيّم فترة زين العابدين بن علي تقييما أقرب إلى الحق دون تجنّ أو تمجيد وألّا نطمس وجوده لأنه أحببنا أم كرهنا يمثّل ربع قرن من تاريخ تونس بالإضافة إلى خدماته السابقة قبل الرئاسة وكل ذلك يجب أن يذكر بخيره وشرّه... أرادوا قبره تماما حتى أننا استغربنا من محو اسم "جامع العابدين" وكل ما له علاقة بالرجل الذي أحسن وأساء ولكننا نعتقد أنه حاول أن يخدم تونس رغم أنه تراخى خاصة في آخر حكمه واطمأنّ للأمر ولم يعد مخلصا تماما ولكنه وطنيّ وحمى تونس ولم يسمح بإنشاء قواعد عسكرية على أرضها ولم يكن ليسمح أن تكون تونس العزيزة منطلقا للعدوان على ليبيا ولم يكن يميل إلى محور على حساب آخر ولهذاعاقبته أمريكا وفرنسا وغيرهما رغم أننا نستنكر بشدّة زيارته التعيسة إلى المجرم بوش الصغير في 2004 بعد فترة قصيرة من اعتقال الرّئيس الشّهيد صدّام حسين المجيد فكان بن علي وتونس أوّل من جاء عليه الدّور بعد العراق وقد قال صدّام للحكّام العرب الذين صمتوا على محاولات إهانته : "أنا ستعدمني أمريكا أمّا أنتم فستعدمكم شعوبكم" وتبعه القدافي قائلا في 2008 : "الدور جاي علينا كلنا ولكنكم لا تعلمون"... وما حصل لبن علي هو خليط بين انتفاضة شعبية صحيحة ومؤامرة أجنبية أشدّ وأمرّ من تلك الاحتجاجات العفوية... وعلينا أن نشير أنّ زين العابدين ساند العراق خاصة في حصار التسعينيات ودعا إلى عدم التدخل الأجنبي في هذا البلد وحل المشكلة مع الكويت داخل البيت العربي مبيّنا أنّ غزو أمريكا كان دون مهلة وكانت مشكلة الكويت ذريعة لتدمير بلد عريق وحاولت تونس مدّ المساعدات لبلاد الرافدين وخاصة لفلسطين عبر احتضان منظمة التحرير الفلسطينية منذ زمن بورقيبة وحتى أواسط التسعينيات وكانت بلادنا أيضا مقر جامعة الدول العربية لفترة من الزمن... وكم شهد الزعيم الشهيد ياسر عرفات لتونس بوقوفها الصادق مع القضية الفلسطينية على الأقل بقلبها ولسانها ومازال ذلك إلى اليوم رغم بعض المبالغات والمزايدات...
الحاصل أن تونس كانت أحوالها مقبولة وكان بإمكانها أن تكون أجمل وأفضل زمن بن علي... فرحم الله الرجل الذي نعتقد أنه حاول أن يكون جيدا إجمالا...

تعليقات
إرسال تعليق