ألم يئن الأوان لتقييم الباجي قائد السبسي بصفة موضوعيّة ؟

 


لا يختلف اثنان في أنّ الباجي قائد السبسي شخصية هامة في تاريخ تونس خاصة بعد انتفاضة 2011، ولكن الرئيس السابق ظل بعيدا عن التقييم سواء بالتثمين أو النقد ولعله سقط من الذاكرة الجماعية قليلا بمرور الأيام وذلك من عجائب هذا الوطن... في مثل هذا اليوم 25 جويلية 2019 توفّي السّبسي بأسباب تبدو إلى الآن غامضة، وظل التكتم شديدا حول أسباب وفاته وإن تسرّبت أخبار من هنا وهناك أكثرها تشير إلى قهر أصابه من يوسف الشاهد أو حركة النهضة الحليفان العدوّان وذلك من متناقضات هذا الزمان، وهناك شهادات تقول إنه توفي مسموما، ويبقى كل ما قيل غير مؤكد، بل لعلنا لسنا متأكدين من تاريخ وفاته الذي ربما كان قبل 25 جويلية، ولسنا نعلم إن كانت زوجته توفيت بعده بقليل بغصتها أو لماذا رحل ابنه الذي أردنا أن نتثبّت في الاتهامات الموجهة إليه حتى نعلم براءته من عدمها... ولا غرابة في ذلك فنحن لم نستطع تقييم الباجي قائد السبسي خاصة بعد 2011 لأنّنا مصابون إما بالنفاق أو بالتناسي... لعلنا نسينا الرجل وحسناته ولعلنا نسينا سيئاته ولعلنا ننافقه بعد مماته فنتغاضى عن هفواته... لعلنا نسينا أنه في آخر أيامه كان يريد فتح ملف الجهاز السري لحركة النهضة، أو إبعاد يوسف الشاهد الذي أتى به نصيرا له وأراده طوع بنانه فتمرد عليه في الخير أو في الشر، ونحن بحاجة أيضا لسماع الشاهد كشاهد على ما حصل فربما يكون خيّرا وربما يتحول إلى متّهم، ونحن بحاجة إلى سماع نبيل القروي وسليم الرياحي ولزهر العكرمي وسعيدة قراش ولطفي بلحاج ومحسن مرزوق ومنذر الحاج علي وناجي جلول وكل من له علاقة بحزب نداء تونس الذي انشطر شطرين بعد وصول رئيسه للحكم... على كل، هناك تحقيقات على قدم وساق ولكننا متعطشون لمعرفة الحقيقة التي لن تظهر في يوم وليلة وبعض المذكورين وغيرهم تلاحقهم تهم أو أحكام بالإضافة إلى شهادتهم على العصر ونرجو إعطاء كل ذي حق حقه سواء بالبراءة أو الإدانة... وفي كل الحالات يبقى أداء السبسي وشخصيته محل جدل، فلعلنا قد نسينا أنه في آخر أيامه لم يكن محل إجماع ورضا شعبي وكان الجدل حول ترشحه لفترة قادمة من عدمها، فإذا بنا نجد جنازة لم يحظ بها بورقيبة نفسه ومديحا زائدا عن الحد لرئيس سابق أحسن وأساء ونحن بحاجة إلى عرض ذلك بكل تجرد ولا نريد ظلم مسيرته ووضع الشيء في غير مكانه والمبالغة سواء بالإيجاب أو السلب... الثابت أنّ الرّجل أتى بعد 2011 رئيسا للحكومة في ظروف غامضة وأمّن الفترة الانتقالية حتى انتخاب المجلس التأسيسي وفوز الترويكا بالرئاسات الثلاث، ولكنه حسب الصافي سعيد غضب منهم وخاصة على حركة النهضة لأنها لم تمنحه الرئاسة ثمّ أرضته بإلغاء قانون منع التجمعيين من الترشح وعدم وضع حد أقصى لسن الترشح للرئاسية، بالإضافة إلى الحوار الوطني واتفاق باريس اللذين لا نعلم تفاصيلهما تماما خاصة أنهما أتيا في حالة غليان شعبي إثر اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي اللذين وعد السبسي بالكشف عن حقيقتهما بالإضافة إلى بكائه في حملته الانتخابية على المواطنة التي لم تأكل لحما منذ فترة واعتذاره من تصديقه لحركة النهضة التي ظنها معتدلة وقال ذلك للأمريكان ثمّ خاب ظنه فيها لنجده يتحالف معها لاحقا بعد فوزه بالرئاسة ويعيد نفس الخطأ، هذا بالإضافة إلى ضعف التعليم والثقافة والأمن والاقتصاد والفساد المستشري واللخبطة السياسية والاجتماعية التي لا نلومه فيها تماما لأنها تراكمات ولكنها زادت في عهده بينما كنا نطلب منه فقط إيقاف النزيف... كل ذلك والإشاعات حول سيطرة ابنه حافظ على القرار السياسي على الأقل داخل الحزب وربما الرغبة في التوريث، هذا دون الحديث عن وضعه الصحي... وبينما كان المواطنون يرغبون بمرحلة جديدة في عهده تُنهي مع الإرهاب والعشوائية والتقهقر الرهيب في جميع المجالات وتعيد لنا خاصة الأمن والاقتصاد وهيبة الدولة بل مفهوم الدولة التي تبنّاه السبسي، وبينما كنا نرغب على الأقل أن نوقف التيار حتى نبدأ بعدها البناء وأن نبدأ بالمحاسبة، وجدنا أنفسنا أمام محاصصات وانشقاقات ولوبيات لا نقول إن السبسي كان وراءها كلها ولكنها حصلت في عهده وتحت حكمه وقد باركها بالموافقة الصريحة أو بالصمت على الأقل ولم يكن حكيما أو حازما... في الواقع، كانت فترته مضطربة وأضعنا على أنفسنا الإصلاح الذي كان يجب أن يبدأ وقتها بعد الأحداث الأليمة التي عاشتها تونس وبعد 3 سنوات من انتفاضة 2011 وكان الإصلاح في ذلك الوقت أسهل مما سيكون عليه بعد 10 سنوات وقد كان الشعب كله غاضبا على الوضع ومتأملا في سي الباجي... ولكن الرئيس الذي دخل في تحالفات ومداخل غامضة استفاق في الأخير وربما أراد معاقبة أصدقائه ولا ندري ربما عاقبوه وأسكتوه قبل أن يبدأ بذلك أو على الأقل نرفزوه ونحن نتضامن معه إن ثبت ذلك.... ربما نستطيع أن نفهم أخطاء السبسي وتلكّؤه في بعض الملفات عندما نرى ما يفعله الرئيس قيس سعيّد حاليّا وصدقه مع شعبه وسعيه لإصلاح الأوضاع رغم أنّ مهمّة سي الباجي كانت أسهل سنة 2011 أو على الأقل سنة 2014... مع أننا لن ننكر أي خير قام به..  

ما لم نفهمه هو الانقلاب في المواقف والتغير من النقيض إلى النقيض والمبالغة في المديح لشخص أخطأ وأصاب، ونرجو أن يُقيّم بعدل بلا زيادة أو نقصان، ولكننا إمّا نبخس الإيجابيات أو نضخّم الأشخاص أو نتناساهم فلا نذكرهم بشيء... أما حديثا "اُذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ بِخَيْرٍ" أو "اُذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ، وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ" فهما غير صحيحين كما ذكرت لجنة الفتوى الدائمة بالسعودية والحديث الصحيح هو "لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا" (البخاري). وبالتالي علينا فقط أن نقول الحقيقة بأدب ودون شتم أو استنقاص، ثمّ إنّنا لا نتحدّث عن شخص عادي بل نتحدث عن تاريخ تونس وعن الوطن وعن أفعال قد ترهن مصير أمّة بأكملها وتضيع حقوق أناس وأجيال، والتاريخ عدل في مجمله ويذكر الأخيار والأشرار بفعلهم من كل الأمم وهذا ما درجت عليه العادة وهذا الحق والعدل الذي يرضي الله الذي لا يحبّ أن يبخس الناس أشياءهم...

نريد حقيقة أن نُقيّم الباجي قائد السبسي بعدل وموضوعية ولعلنا نسيء إليه من حيث نظنّ أنّنا نحسن إليه عند التعتيم عن حيثيات فترته الرئاسية وأفعاله بعد الثورة، نريد أن نحفظه في التاريخ بحق وأن نثمّن إنجازاته ونحدّد أخطاءه حتى نتجاوزها وتكون عبرة لنا وخاصة للسياسيين... ونعتقد أنها رغبة صادقة ستحقق يوما ما... 

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة