تحدّثت منظّمة الصّحّة العالميّة عن أنّ ملياري إنسان في العالم يعانون من الكسل، مشيرة أنّ النّسبة سترتفع إلى 35 % سنة 2030... وأشارت أنّ السّبب الرئيسي لذلك هو كثرة استعمال الأجهزة الإلكترونية وقلة الحركة والأنشطة والأعمال البدنية وضعف ممارسة الرياضة...
لعلّ هذه الظاهرة واضحة للعيان وهي داء استفحل في السنوات الأخيرة أكثر وأكثر... ولعلنا نعذر الناس أحيانا، وليس العيب أن نضعف أو نخطئ ولكن العيب هو في الاستمرارية على ذلك... قد نضيف للأسباب المذكورة آنفا، أنّ تغذية الإنسان سيئة وتعتمد على أكلات غير صحية بعضها مصنّع وبعضها يحتوي ملوّنات أو أدوية كيميائيّة، وبصفة عامّة فهي غير طبيعية وقد تحتوي على ما يشبه المخدّرات أو لنقل المدمّرات للصحة "بالعرق بالعرق" وقد تكون نوعا من القتل البطيء... حتى الأدوية نفسها قد تكون كيميائية أو مغشوشة أو لنقل غير فعّالة وهذا مجرّب حتى في نزلة برد بسيطة وقد تحدّث الرّئيس قيس سعيّد عن ذلك في إحدى المرّات... حتى الهواء الذي نتنفّسه والبيئة التي نعيش فيها ملوّثة، يضاف إلى ذلك النرفزة والضغوطات وكثرة المشاكل... ولعل هناك أسبابا أخرى تبرّر فشل المواطن أهمّها تثبيط من حوله له وكثرة الكسالى والأمثلة السيئة على الكسب السّهل دون تعب والتوفيق دون عمل والكلام حول عدم أهمية العلم وأنّ المستقبل للكفاءات غير مضمون، والفرد يشاهد أمامه الهرسلة التي يتعرّض لها كل جدّيّ وصادق وناجح أو حتى شبه ناجح والعراقيل التي يجدها بهدف كسره وجعله فاشلا كالآخرين حتى لا يفسد عليهم متعتهم وبلادتهم وظلامهم... وكذلك أصبحت المدرسة ووسائل الإعلام والأقارب والجيران والأصدقاء والعلاقات الإنسانية غائبة إلا من النميمة والمكر والغدر والحسد فلا تجد عونا لك إلا على التأخر والتقهقر ولا نعمّم ولكن ذلك أصبح موجودا بكثرة... وفي ذلك قال تعالى : "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" الأنفال 46.. ولعل هناك أسبابا أخرى تشجع على الكسل وتجعل العزيمة مكسورة، فماذا يفعل المواطن الغلبان تجاه كل ذلك ؟
عادي جدّا أن يتأخر الفرد في بيئة لا تشجع على العمل بل تَسْخَرُ منه ولا تجعله يركّز ولا تبني فيه شخصية قوية تحب العلم والعمل والأخلاق، وعادي جدّا أن يغفل عن أمره وأن يتراجع في إنتاجيته، ولكن الذي ليس عاديا هو أنه لا يصحو ولا يستفيق أبدا، ولا تستفزّه مشاعر الصدق والعزيمة... ربما علينا أن نعود إلى عزيمة أجدادنا الذين كانوا يعملون دون كلل ولا ملل من الصباح إلى المساء، وأن نقرأ عن عظماء الإنسانية في العلوم والسياسة والفنّ وحتى الرياضة وكيف كانوا نشطين مثابرين وللصعوبات غير مستسلمين... الكرّة تلو الكرّة وإن لم تستطع المشي فلتزحف كما يقول فيكتور هيغو.. ثمّ هناك أمر خطير آخر : من ينجح منّا فعلا يطمئنّ لفعله ويضخّم إنجازه ويركن للكسل بعد ذلك بينما الحياة مجاهدة مستمرّة... فلم لا يواصل وهو قادر على الأفضل ؟ وبالتالي، عليه أن يرى كيف كان القدامى ينجزون وفي أكثر من ميدان طيلة أعمارهم يبدعون، فتجد أحدهم قد اخترع أكثر من اختراع، وكتب عشرات الكتب إن لم نقل المئات، وتميّز وأضاف في أكثر من مجال، وبالجملة نجدهم تركوا إرثا هامّا... ربّما معرفة سير العلماء والصالحين والعظماء والأنبياء تساعدنا على معرفة تقهقرنا اليوم... حتى اختبارات التلاميذ صارت سهلة وأعمال الناس صارت أقل تعبا وأقل إنتاجية وأمخاخهم جامدة ولا تساعد على الابتكار والإبداع مع كثرة المغريات والتهريج والصخب والحياة المادية والمجتمع الاستهلاكي...
كلنا مغلوبون على أمرنا وكلنا خاملون وأنا أوّلكم وربّما أكثركم، ولكن نحاول أن نستفيق قليلا، وأولى الخطوات لذلك ألّا نكون راضين تماما عن أنفسنا، وأن نحاول التغيير ولو قليلا وحسب الإمكانات المتاحة، ونشدّد على المثابرة والمحاولة فإن لم نفعل كثيرا فلننجز قليلا، ولنتذكّر دائما قصّة السّلحفاة التي وصلت بعزيمتها قبل الأرنب، ولنحاول أن نبدأ وأن نسعى ثمّ تأتي البركة، فلنتغلّب على أنفسنا ونبدأ العمل ثمّ نجد فكرة التعب مغلوطة فالمشكلة تبدأ في صعوبة القيام من الفراش والجلوس على المكتب فإذا بدأنا ولو بكسل وتأفّف سنجد أننا قادرون ولو قليلا وأنّ مشاعر التعب كانت كاذبة أو شبه كاذبة... وكما يقول المثل الفرنسي : "الشاهية تأتي مع الأكل"... ولنحاول تمثّل هدفنا من الحياة وخلق الله لنا لخلافته وتعمير الأرض ولنجعل لنا أهدافا نبيلة نتركها نصب أعيننا ولنتمثّل النجاح أمامنا وكيف سنفرح لو حقّقناه، فبذلك يمكن أن ننجز... وبعد المحاولة والعمل، علينا أن نستعين بالله ونطلب منه التوفيق... وقد استعاذ الرّسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم من الكسل صحبة داءات أخرى يعلم نبيّ الله خطرها على الفرد والمجتمع وذلك في دعائه المشهور : "اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الهمّ والحَزَنِ، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدَّيْنِ وقهر الرّجال"...
نعيد مرّة أخرى أنّ الأمر ليس سهلا، وأنّ القيام والعمل جهاد كبير في هذا الزمن، وأنّ الظروف ليست ميسّرة وأنّ المصاعب والعراقيل موجودة، ولكن لعلنا بالاستراتيجيات المذكورة آنفا وبغيرها نستطيع أن نتقدّم ولو قليلا ولستُ في موضع إعطاء دروس بل أذكّر نفسي قبلكم بهذا لأنني ربما أعاني من الكسل قبلكم، ولكن لنتحرك ولو قليلا ولنحاول !

تعليقات
إرسال تعليق