المتأمّل في أخبار التّلفزة الوطنيّة يلاحظ أنّها في تراجع مستمرّ في السنوات الأخيرة عكس ما يُروّج له خاصة في الأيّام الأولى لانتفاضة 2011 إذ صُوّر لنا أنها موعد حصري مقدّس للتلفزة الأم العزيزة علينا دائما والتي كانت تستعمل منذ زمن بورقيبة الكلمة الصحيحة النادرة في العربية وهي الأنباء وتعني الخبر الصادق من ذلك قوله تعالى : "عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ" النّبأ 1/2 وقول الهدهد لسيدنا سليمان : "وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ" النّمل 22
وبالفعل مرّت تلفزتنا من أنباء محترمة رغم بعض المديح الزائد إلى الأخبار وهي كلمة من الأخطاء الشائعة في اللغة العربية إذ إنّ الخبر أقلّ صدقا ودقّة من النّبأ، ولعلهم يقصدون ذلك لأنّ الأخبار بعد 2011 فيها شعبوية ونرفزة وكثرة دون بركة وكلّ يغنّي على ليلاه والكل يطلب والكل يعطي رأيه ممّا نفخ رأس المشاهد الذي تحوّل من لغة خشبية للرئيس الأوحد في بعض الأحيان إلى لغة شعبوية حجريّة أكثر تيبّسا وتصلّبا فيها المطلبية وكثير من الانفلات والمبادرات الصحيحة والمغلوطة... عاصفة من الأفكار والاحتجاجات والثرثرة والتشدق عاشتها كل البلاد وكل التلفزات وقلنا فترة وستمرّ... ولكن ما راعنا إلا والأوضاع تزداد سوءا بعد أن أصبحت الأخبار منذ سنوات طويلة ممطّطة ممدّدة تستمرّ حوالي ساعة إلا ربع. وما زاد الطّين بلّة هو أصوات أصحاب التقارير التي لا أدري لماذا يسمّونها ريبورتاجات فإن كان ولا بدّ فليقولوا روبورتاجات... وكذلك فزعنا من أصوات مقدّمي الأخبار فعلي أيّ أساس يُختارون ؟ طبعا بتدخلات النقابات العادلة التي تريد من الجميع أن يتداولوا على أخبار الثامنة، فكانت استقالة زينة الخميري وكان مرور إقبال الكلبوسي من النشرة الرئيسية مرور الكرام وكان نفي الرصين عبد الجليل العبّاسي إلى نشرة منتصف الليل، بالإضافة إلى التخلص من خديجة صوّة وعماد بربورة وناجح الميساوي ونعيمة الجويني وغيرهم من المتألقين... فأصبحت النشرة ثقيلة في طول مدّتها، وضعف سرعتها، وكثرة مادّتها بغثّها وسمينها والتي هي قابلة للفرز والتجويد، وسوء إلقاء بعض مخبريها الذين لا يعرفون التنغيم والفاصل والنقطة والوقوف والتّنفّس وغيرها من القواعد التي حفظوها منذ إلقائهم للمحفوظات ونصوص القراءة في الأولى ابتدائي.. بالإضافة إلى ضغطهم على الكلمات وإعطائها أكثر من وقتها مثل التي تنتهي بال"....يّة"، وبعض الأخطاء في العربية.. بل إنّ كثيرا منهم يفتقد للحضور والجاذبية وحسن النظر للكاميرا والتفاعل مع الخبر... نقول هذا ونحن نعرف منذ سنوات خلت كم لقارئ الأخبار من كاريزما وهيبة و"وهرة" وجدّيّة وثقة ونظرات ثاقبة وحسن إلقاء.. نقول هذا ونحن نستحضر الحضور الجميل لفتحيّة عدالة خنشة وسامي مصدّق ولطيفة مقطوف وعبد السّلام بلال وحاتم بن يحي والحبيب الغريبي ومحمّد كريشان وغيرهم كثير... فكان يُفترض أنّ الجدد ينحون منحى القدماء وربما يطوّرون من أسلوبهم، وكان يُفترض أنّه مع الحرية تصبح الأخبار أقل تصلبا وأكثر جاذبية وخفة ظل وتنشر الوعي والصدق والثقافة أكثر، وكم تراجعت الثقافة في تونس بعد 2011 من حيث كنّا نظنّ أنّها ستتطوّر حتى ثقافة العيش ونمط الحياة والتفكير ! وكان يُفترض في ظلّ المنافسة الشرسة مع وسائل الإعلام السمعية البصرية والإلكترونية والمقروءة والتطور التكنولوجي أن تكون الأنباء خفيفة بأحسن طلّة ودون إطالة وأن يكون الخبر مختصرا إلا في بعض التحاليل والحوارات، فالمواطن أصبح يمكن أن يعرف كل الأخبار تقريبا بمقالات قصيرة في شكل عناوين أو شريط مكتوب أو تقارير وموجزات لا تتجاوز 5 دق خاصة أن العصر عصر سرعة والأعصاب مشدودة والضغوطات والمشاغل عديدة... بالمناسبة، ظهر الشريط المكتوب إبّان حرب العراق المظلومة في 2003 فلماذا اختفى من تلفزتنا ؟ ألم أقل لكم إننا نتراجع إلى الوراء عوض أن نتطوّر...
مرة أخرى نؤكد أن كلامنا ينبع من المحبة وهدفه الإصلاح ولا نعمّم... وحتى نلخّص المسألة نقول إنّ اللغة والإلقاء والحضور والاختصار والتنويع وبصفة عامّة خفّة الظّل تنقص نشرة الأنباء التي لم تعد رئيسية في ظل سياسة لا تختار الرجل المناسب الكفء في المكان المناسب، فأصبحت النشرة عشوائيّة ويا لها من بليّة...

تعليقات
إرسال تعليق