لقد أصبحت ظاهرة لا تخفى إلا على أصحابها وما أكثرهم في مجتمعاتنا العربية... مجتمعات أصبحت متواكلة متقاعسة لا تهتمّ بالعمل فضلا عن الجودة والتطوير والإحسان... مجتمعات حتى إن نجحت مثل صفاقس فهي تهتم بالنتائج النظرية الظاهرية التي تخفي كوارث جوهرية... مجتمعات تعمل بالياطاش ودون توقف حين تريد شيئا لها ولكنها تتكاسل لو كان ذلك لصالح المجموعة... هناك ديار بل قصور تحضر "من مجاميعها" في بضعة أشهر، أمّا ملف بسيط أو إصلاح عطب عادي أو إبعاد حجر عن الطريق فلن يلتفت أحد لها لأنها لا تهمّه... وحتى أعمالهم التي يعجّلونها فيها الفخفخة والرياء على غرار أطروحة مقتبَسة أو قصر سامق أو صلاة دون روح لا يتأخرون عنها دقيقة واحدة والحق يقال... في الأثناء، هناك أرواح تُزهق مباشرة أو "بالعرق بالعرق" ومصالح تُعطّل وحقوق تُهضم... هل جرّبتم أن يماطلكم مصلح التلفزيون أو التّقني أو السّبّاك (plombier) أو المحامي أو الإداري أو صاحب تتفق معه على موعد في الغد فلا يأتي ذلك الموعد حتى بعد مرور سنوات... وهناك من يستدين ولا يرجع حتى لو بنى منزلين وأنجب ولدا وزوّج أولاده وشاهد أحفاده في قصة حقيقية لم نزد عليها شيئا، والمثل الفرنسي يقول : "حين نريد نستطيع"، ولكن هؤلاء لا يريدون مهما تيسّرت لهم الأمور لأنهم بمصالحهم متمسّكون وبحقوق النّاس مستهترون... هل شاهدتم من يعطّل بيع قطعة أرض لغيره بينما حين يبيعها هو يريد قبض الأموال وأكلها مباشرة ؟... حتى الصك يرتعدون منه لأنهم يحبّون أكل الفلوس وشمّها وحضنها... وكذلك يفعل أغلب التجار، وأغلب الواعدين مخلفون ويحسبون ذلك هيّنا وهو عند الله عظيم... إنها خصلة من النفاق، وقد قال الرّسول الذي يدّعون حبّه وعطّلوا سنّته حول علامات المنافق أنّه : "إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَم فَجَرَ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ" (رواه مسلم ورواه البخاري مع اختلاف في بعض الألفاظ)، وكذلك لدينا حكمة مشهورة "خير البرّ عاجله"، بالإضافة إلى قول عمر بن الخطّاب : "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزيّنوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية" (رواه الترمذي) وكذلك قال الفاروق : "فإنّ القوة في العمل ألا تؤخروا عمل اليوم لغد فإنكم إذا فعلتم ذلك تداركت عليكم الأعمال، فلم تدروا أيها تأخذون فأضعتم، فإن خُيّرتم بين أمرين أحدهما للدنيا والآخر للآخرة، فاختاروا أمر الآخرة على أمر الدنيا، فإن الدنيا تفنى وإنّ الآخرة تبقى، كونوا من الله على وَجَلٍ، وتعلّموا كتاب الله فإنه ينابيع العلم وربيع القلوب"، وكان ابن عمر يقول : "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدا".
وبعد كل هذا، متى سيعلمون أنّ التّأجيل هو أوّل خطوة للإلغاء ومن أجّل يوما سيؤجّل أشهرا وسنوات وعمرا بأكمله ؟ ومتى سنحسّ بقيمة الوقت ؟ ومتى سنحسّ بالآخرين ونحبّهم كما نحبّ أنفسنا ؟ بل متى ستصبح لدينا أحاسيس وقلوب تعقل ؟ ومتى سنقضي على الكسل والكذب والفخفخة دون تطبيق ؟ ومتى سنعمل ونكفّ عن سبّ الآخرين والاعتقاد أنّنا الأفضل ونحن في الدَّرَك الأسفل من سلّم الحضارة الكونيّة ؟
مقال أكتبه دون تأجيل، ولعلّ التّطبيق سيُؤجَّل لأنهم مضغوطون وتعساء ومظلومون ولديهم أعمال كثيرة وحرام أن نضغط عليهم فالكون كله متآمر عليهم وهم يعانون وهم في فراشهم وقصورهم، فما بالك لو كانوا حقا فقراء وتعساء، وقد يكونون سيئي الحظّ لو فعلوا ما بوسعهم، ولكن ماذا عمّن لا يفعل شيئا ويريد كل شيء، وقد اعتادوا على ذلك، فكل مرة ناجحون دون مجهود وكل الأعمال تُنجز لهم وهم قاعدون، وكل أمر هو لهم كما يريدون، فهل هم لله حامدون ؟ كلّا تلك مجهوداتهم الجبّارة، وأفعالهم الحسنة التي ستُخلّد في سجلّ البشريّة... فبالله ما دمتم بكل هذه الخيريّة والتألق العلمي والأخلاقي، نريدكم فقط أن تَصْدُقُوا مع أبناء جلدتكم في أقوالكم وأفعالكم ؟

تعليقات
إرسال تعليق