يُحكى أنّ تلفزة وطنيّة تونسيّة لها قناتان منوّعتان بالبرامج ثريّتان... هما مثقِّفتان ومعلِّمتان وفي نفس الوقت مرفِّهتان... لم تكن الجودة دائما في أحسن حالاتها، ولكن كان هناك عمل وتقدّم ومثابرة ومحاولة لإرضاء المشاهد... في اليوم الواحد، لا بدّ أن نجد برامج جديدة ومفيدة... كانت هذه التلفزة تشتغل على مدار العام، الأولى تقدّم فقرات متنوّعة للأطفال والدّين والمجتمع والسياسة والثقافة والرياضة والمنوّعات، والثانية تفعل نفس الشيء رغم توجّهها الشّبابي في بداية عهدها وهي فعلا كانت متنفّسا للأطفال والشّباب خاصّة وكانت مجدِّدة ومعظم الإعلاميين المتألّقين بدؤوا منها (رازي القنزوعي، يسر الصّحراوي، مهيب بن شويخة، أشرف الكعلي، علاء الشابي، رضوان الهذلي، ...) حتى عواطف الصغروني نفسها المديرة العامة للتلفزة انطلقت من هناك، ولا ندري أهي مغلوبة على أمرها أم هي لا تريد التغيير شأنها شأن سائر المديرين العامين الذين تداولوا على هذه المسؤولية الجسيمة في السنوات الأخيرة... ربما يكونون معذورين لو صارحونا بالأسباب... كانت قناتانا تشبعان والغليل تشفيان رغم الهنّات، ولكنهما بجدّ تعملان، فكانت هناك شبكة خريفية شتوية، وشبكة رمضانية، وشبكة صيفية وهو مفهوم اختفى وذاب واضمحلّ فجأة وأصبح من التاريخ إلا في الإذاعات التي تحضّر فعلا برمجة خاصة بفصل الصيف... أيُعقل أنّ تلفزتنا كانت تبثّ البرامج مباشرة منذ افتتاحها واليوم يطغى عليها طابع التسجيل والإعادات ؟ أيُعقل أنّ تلفزتنا كانت تأتي لنا بالمباريات الرياضية العالمية والبرامج الرياضية واليوم تؤمّن بصعوبة تغطية المنافسات المحلّيّة ؟ أيُعقل أنّ تلفزة كانت تنتج كل سنة مسلسلين أو أكثر وكاميرا خفيّة وفوازير ومنوّعات وبرامج دينيّة أصبحت عاجزة حتى عن التنويع في تلاوة القرآن الكريم، إذ كل صباح تأتي لنا بنفس الآيات تقريبا لنفس القارئ، بل في إحدى المرّات كان القرآن المتلوّ قبل أذان المغرب هو نفسه قبل السّحور ؟! ما هذا الكسل، بل ما هذه اللامبالاة، بل ما هذا الجمود ؟ أهو رزق البيليك ؟ ورغم الراحة وعدم الإنتاج ورغم بعض الإشهار ورغم معلوم الإذاعة والتلفزة الذي يدفعه كل مواطن، يقولون لكَ نعاني صعوبات مادّيّة ! في هذه الحالة، وجب الاطّلاع على قسم الموارد البشريّة إذ كثيرا ما نلاحظ أنّ عدد العاملين أكثر من طاقة المؤسسة ممّا حدا بهم أن يكلّفوا معلّقَيْن لمباراة واحدة في بدعة عالميّة، كان الأجدر بهم في هذه الحالة أن يقسّموهما على قناتين صوتيّتين ويعلّق كلّ منهما على المباراة كاملة وليس "واحد يتحّي وواحد يزكّي"، هذه لا تفعلها حتى أغنى القنوات الرياضية المشفّرة ! علما أنّ اختيار المعلّقين ليس بريئا ولا يخضع دائما لمنطق الكفاءة شأن بقيّة المذيعين المتوسّطين في المجالات الأخرى...
في السابق، كانت هناك شبكة صيفيّة فيها مسلسل مصري أو سوري جديد ومنوّعة على البحر كالتي لبس فيها حاتم بن عمارة "شورط" وبرنامج ألعاب مثل "واحد من سبعة" وبرنامج خدمات وبرنامج رياضة خاص بالصيف والأنباء الرئيسية تأتي على الساعة الثامنة والنصف ليلا مع إعادات كنّا فعلا ننتظرها ومتشوّقين لها لأنّها تأتي مرّة واحدة بعد أعوام طويلة لمسلسلات أو سيتكومات أو مسرحيّات أو برامج قديمة وتكون فترتها محدودة وليس طول اليوم، ويشير التلفزيون بكل أدب وصراحة أنها إعادة تحت رمز القناة...
يا حسرة على تلفزة نشطة كامل السنة رغم الإخلالات، ورغم نقص الحريات وبعض التمجيد للنظام، ورغم بعض اللغة الخشبية، ولكنّها كانت تمتع وتعلّم وكانت تعمل وتنجز إلى حدّ مشرّف وكانت تجلب لنا المباريات الرياضية والصور المتحركة والمسلسلات قبل أغلب القنوات العربية الأخرى بل لقد كانت رائدة في المنوعات المباشرة مع نجيب الخطّاب وحاتم بن عمارة وهالة الرّكبي ولطفي البحري وكانت تقوم بحوارات حصرية وسبق صحفي في زمن كانت فيه التقنيات محدودة والاتصالات صعبة وأحيانا مسدودة والأموال شبه مفقودة ولكنها الإرادة وحسن التصرف والعمل والإبداع... ما الذي يمنع أولاد الدّار اليوم من أن يقدّموا برامج لتاريخهم وتاريخ تلفزتهم عوض أن يكونوا متواكلين متكاسلين ؟ ما الذي يمنعهم من التّطوّع والإبداع ؟ لو أتينا بشخص بسيط له كاميرا ربّما كان يفعل أفضل منهم وكان سينقّب عن الأفكار ويجول البلاد طولا وعرضا... بل إنّنا نلاحظ أنّ عبد الجبّار الشّريف مثلا يعمل متطوّعا منذ الصّباح الباكر ويحاول كل يوم أن يضيف شيئا، وكذلك بعض المجتهدين الذين يحاولون تطوير ذاتهم وتلفزتهم من أجل تاريخ ناصع لهم ولقناتهم، تاريخ لن يرحم المتقاعسين...

تعليقات
إرسال تعليق