الكرة الطائرة... الرياضة الجميلة المظلومة



 
الكل يعلم أنّ كرة القدم هي الرياضة الشعبية الأولى في العالم... والعديد يعلم أنّ الكريكيت والهوكي والتنس وكرة السلة من أكثر الرياضات الشعبية في العالم... ولكن ما لم نفهمه هو هذا التجاهل المتعمّد أحيانا لرياضة شعبية جميلة تجمع أغلب الإحصاءات أنّها من بين 5 رياضات الأكثر متابعة في العالم وتشير الأرقام الرسمية أنّ لديها 900 مليون مشاهد وأنها محبوبة وبسيطة وممتعة ومشوّقة... وانتشارها كبير في كل القارات من أستراليا وآسيا مرورا بأوروبا والأمريكيّتين... ولعلّ القارّة الإفريقيّة تشكو ضعفا في هذه الرياضة التي سيطرت عليها تونس ومصر عبر العصور (11 و8 بطولات)...

ولعلنا نلاحظ إثارة هذه الرياضة وشهرتها أكثر مع الفرق القوميّة وهي من الرياضات القليلة التي تعطي أهمّيّة بالغة للمنتخبات عبر جولة عالمية تمتدّ لأشهر كل عام بالإضافة إلى كأس العالم والكؤوس القارية التي تنظّم كل سنتين تقريبا... وهي من أكثر الرياضات متابعة وحماسا في الألعاب الأولمبية ولعلها الرياضة الجماعية الأولى في المناسبة الأولمبية التي تظهر فيها الألعاب الفردية أكثر وتتراجع فيها كرة القدم... رياضة تطورت عبر الزمن وأصبحت قوانينها جاذبة أكثر عبر مباريات حاسمة قد تمتدّ على 5 أشواط يفوز بالأربعة الأولى منها من يصل إلى 25 نقطة وبفارق نقطتين، أمّا الشوط الخامس والحاسم فيفوز به من يصل إلى النقطة 15 وبفارق نقطتين عن المنافس... لعبة نظيفة بصفة عامّة وفيها أقل احتكاكات رغم إثارتها إذ تفصل الشبكة بين لاعبي الفريقين... لعبة دخلتها التكنولوجيا فقلّلت من الجدل التحكيمي وهو قليل من الأساس باستثناء بعض النقاط الحاسمة... قوانينها سهلة وواضحة... كرتها الصفراء والسوداء جذّابة كما لم تكن في كرة القدم التي كرهناها بكرة صفراء... رياضة مثل التنس تدرّبنا على الصبر والقوة الذهنية... الاستراحات والأوقات المستقطعة تكون لتخفيف العبء عن اللاعب والمشاهد على حدّ سواء تتخلّلها بصفة عامّة أغان مرفّهة خاصة في البلدان المتقدّمة التي تستخدم أهازيج وموسيقى حتى بين النقاط ممّا يضفي حلاوة أكبر على المباريات... والجمهور يكون أقل تعصبا بصفة عامّة في هذه الرياضة مقارنة بكرة القدم أو السّلّة...

هذه اللعبة تتشابه إلى حدّ ما مع التنس وتنس الطاولة في بعض القواعد مع اعترافنا أنّ التنس هرب قليلا إلى الأمام... هذه اللعبة تتطلب اللياقة والمهارة والتّركيز ثمّ القوّة : فالضربة الجيدة والدقيقة أو الإسقاط الصحيح أهم من الضربة الساحقة غير المركزة أو التي تصطدم بجدار صدّ منيع عليه هو الآخر أن يعرف كيف يتمركز ويغيّر اتّجاه الكرة لصالح فريقه في رياضة تعتمد على اليقظة دائما... كل اللاعبين يساهمون في بناء الهجمة بدءا من المرسِل مرورا بحائط الصد والليبيرو وصولا إلى الممهّدين والضّاربين والجميع في ذلك يتبادل الأدوار... هي رياضة ناجحة وممكنة مع الرجال كما السيدات وبنفس القواعد... هي رياضة ممكنة على الأرضية الصلبة والترابية وحتى العشبية وطبعا الشاطئية... بل إننا نلاحظ أنّ البلدان الساحلية تعشق هذه الرياضة (البرازيل، الأرجنتين، فرنسا، إيطاليا، تونس وخاصة الوطن القبلي حيث الهوارية وقليبية وحمام الغزاز...)... ولعل الكرة الطائرة الشاطئية لها رونق ومحبّون أوفياء، وقد تتغلّب أحيانا على الرياضة الأمّ داخل الصالات... 

لاحظنا أنّ هذه اللّعبة ممتعة في تونس، وكم هو نادر أن نستمتع بمنافسات رياضية في بلدي الذي له تقاليد رياضية تراجعت في السنوات الأخيرة... لاحظنا ذلك أكثر في نهائي كأس تونس الجميل بين الترجي التونسي والنجم الساحلي حيث شاهدنا مباراة عالمية دون مبالغة رغم بعض الاحتجاجات التي لم تُخرج المباراة من أجوائها الجيدة على عكس العادة... وأمام هذه الفرجة تساءلنا : أليست الكرة الطائرة مظلومة إعلاميّا في تونس ؟ الجواب لا، لأنّها ببساطة مظلومة في كل العالم... إنّنا نستغرب كيف لقناة مثل البين سبورتس ألّا تبثّ أيّ منافسة للكرة الطّائرة طيلة سنوات وسنوات باستثناء الألعاب الأولمبية أو الكرة الشاطئية مرة أو مرتين في السنة ؟! هل ستصبح الرّاليّات وسباقات السيارات أهم من هذه اللعبة الجميلة ؟ نقول هذا رغم علمنا بتألّق المعلّقين زهير بلحاج وليلى السّماتي كلما توفّرت لهما الفرصة في القناة العالمية، كما نثمّن مجهود القسم الرياضي لإذاعة صفاقس مع محمّد الرّباعي وحسام قوبعة وغيرهما، بالإضافة إلى تألّق زهير بن صالح وحافظ بن عامر واسكندر الحجّام على الوطنيّة 2، ولكن ماذا لو سمحنا لهؤلاء بحيّز أكبر مع هذه اللعبة الراقية والممتعة لمشاهدها كما لاعبها.. أذكر أنّنا كنّا نفضّل أن نلعبها في حصة الرياضة عن باقي الألعاب بما فيها كرة القدم وكرة اليد وكرة السلة...  

بسيطة، جميلة، ممتعة، مشوّقة، مثيرة، مربّية للذهن وللروح وللبدن، غير مكلفة مادّيّا، هي من السهل الممتنع وهي رياضة عالمية نرجو أن تلقى حظها في قادم الأيام والأشهر ولا نريد أن نقول في قادم السنوات لأنّ ذلك كثير، والانتباه لهذه اللعبة من حقها علينا ومن حق متابعيها الذين يناهزون المليار عالميا ومن حق كل شخص يودّ ممارستها، فهل من مجيب ؟
 

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة