لعلنا بحاجة لتصحيح بعض المفاهيم ومنها مفهوم العطل... إذ في وسط السنة لا يرتاح التلاميذ أبدا، وتجدهم، بتحريض من أوليائهم، في سباق محموم وصراع مذموم حول الدروس الخصوصية، فلا ينقضي نهار دون أن يذهب الأطفال بصفة رسمية إلى هذه الدروس الآلية التي أصبحت عمليات تجارية، ولا ينتهي درس إلا ليبدأ آخر، وهكذا كل يوم تقريبا من الصباح إلى المساء والتلاميذ الأبرياء يذهبون إلى هذه السباقات اللامنتهية عسى أن يظفروا بالامتحانات... والأصل في هذه الدروس أنها توجيهات وتقريبات ومساعدات وملاحظات ولكنها أصبحت تلميحات بل تصريحات لقادم الاختبارات، والأصل فيها أنّها لدروس القسم مكمّلات فأصبحت هي الأصل، ودونها لا يستقيم الفهم، والأصل فيها أنّها تطبيقات وتدريبات فأصبحت مقوّيات مثل المنشّطات المحظورة...
كان بإمكاننا أن نجعل الدروس الخصوصية يومين على أقصى تقدير في عطلة الأسبوع و4 أيام في عطلة الأسبوعين... وقد كنّا في زمن مضى، نقوم بحصتين في المواد الأساسية في الباكالوريا في العطلة نصف الشهرية وقد كان جيلنا ناجحا وأكثر نشاطا من الآن... فما الذي تغيّر ؟
العطلة يا سادة فرصة لاستعادة النشاط، وممارسة الهوايات، وتبديل الأجواء... هي نهاية دورة وبداية دورة cycle... ويجب أن يعيش التلميذ كل دورة بتعبها وراحتها... ولكنه يعيش مرحلة واحدة طيلة السنة... وقد ننبهر بنجاحه ولكنه في الحقيقة أصبح آلة robot بعيدا عن شخصيته وإنسانيته وينقصه الفكر النقدي والتميز والفن والإحساس ومعرفة توظيف معارفه التي ليست إلا خليطا محشوا في دماغه بصفة بليدة وغير ذكية... هذا ما لاحظناه بصفة عامة وهناك طبعا استثناءات مشرّفة...
العطلة الخريفية والشتوية والربيعية وخاصة الصيفية يمكن تسخيرها للأنشطة الترفيهية من رحلات وألعاب فكرية أو في الطبيعة ومطالعة وممارسة رياضة وتعرّف على الدين المعتدل، والعناية بالحدائق والسفر والموسيقى والرسم والمسرح والسينما وخاصة مشاهدة أفلام وبرامج ثقافية تعليمية وغير ذلك من الممارسات التي تجمع بين العلم والعمل والترفيه... ولكن الناس اليوم تفتقد قلوبا حسّاسة وترغب بالجمود والبلادة فتراها إما في نزل ومطاعم فاخرة أو في فضاءات جامدة بعيدا عن الطبيعة... وهناك أيضا التعلم الذاتي واكتشاف الذات، ولكن أنّى لطفل اليوم أن يتسلق شجرة أو يسابق في حديقة أو يلعب في بطحاء... جمد كل شيء حتى تلفزاتنا التي كانت تقدم برامج مفيدة للصغار والكبار وتخلت كثيرا عن دورها في السنوات الأخيرة... ويمكن أيضا للأطفال والشباب ذكورا أو إناثا أن يتعلّموا صنعة بعيدا عن التشغيل الهش فيمكن أن يكونوا في ورشة نجارة أو حانوت بقالة أو خياطة في تربّص مصغّر... ولكن الرغبة توجد فقط في خطف الأعداد وسياقة السيارات وبناء القصور الشامخات والذهاب إلى المقاهي والمطاعم والنزل الفاخرة وتوفير أقصى الرفاهة في البيوت وحتى اللعب تكون الكترونية... لن تجد من يعلّمهم الأمثال الشعبية والخرافات والقصص والأحاجي والتاريخ والعادات والتقاليد ولن تجدهم في حقل يجمعون اللوز أو الزيتون أو الخوخ وطبعا لن يعرفوا التين الشوكي على الأقل في السنوات الأخيرة... لن تجدهم إلا أمام الشاشات أو الهواتف الذكية الغبية أو في فضاءات مغلقة إما لدروس خصوصية أو ترفيهات أرستقراطية... ما دامت حتى ملاعب كرة القدم أصبحت بالإيجار فلن تجدوا مواهب كانت تنشأ من الأحياء الشعبية لأنّ العديد منّا تطوّر وأصبح موهوبا آليّا بعيدا عن إنسانيّته ولا نعمّم دائما...
كلامنا يخص الصغار والكبار فقد أصبح الكسل والكسب السهل ديدننا، وغشيتنا الميوعة وقلّ الذّكاء والإحساس وأصبحنا أميل لمشاهدة مباريات بتعليقات صاخبة وهي نفسها تعليقاتنا العنيفة في مواقع التواصل الاجتماعي وأصبحنا نحب المتعة والهرج والخروج من المنزل كل ليلة ونكره التفكير والأنشطة الترفيهية التي تتطلب ذكاء ونكره التفكير في تحدياتنا وتحديات وطننا... لا نريد إلا الأكل والشرب والنجاح الوهمي بأسرع طريقة في الدراسة والعمل بترقيات آلية والرغبة في جني الأموال والاستمتاع بصرفها في الملذات والبذخ... فضاع الإنسان في عديد الناس...

تعليقات
إرسال تعليق