لماذا لا ينصر الله المسلمين على الصهاينة ؟

 



سؤال بديهي أن يُطرح ولعلّ الآلاف إن لم نقل الملايين قد طرحوه قبلنا... المنطق يقول إنّ هذه خير أمّة في العالمين وإنّ الله فضّلها ورضي عنها وسخط عن الآخرين الضالين الكافرين في حين تدين أمّة الحبيب بدين الحقّ، وخَاطِرُ رسول الإسلام وأمّته عند الله كبير... فلماذا لم تنتصر في هذا العصر وفي عديد العصور ؟

الواقع أنّ هذه الأمّة وبعد الرّسالة المحمّديّة ركنت إلى الغرور والتّواكل وظنّت أنّها الأفضل مهما فعلت... ولعلّ أجدادنا الصّحابة فعلوا خيرا فظللنا نفتخر بهم و"إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي" كما يقول سيد الفصحاء علي بن أبي طالب... وبالتوازي مع عدم محافظتنا على إنجازات أجدادنا، لم نحاول إصلاح أخطائهم فكانت النتيجة أخطاء على أخطاء تفاقمت عبر العصور... هذا لا يعني دمارا شاملا، إذ يبقى الخير موجودا في كل الأزمان، ولكنه ظلام قاتم عمّ هذه الأمّة التي لم تحاول أن تغيّر في عقلها الجماعي، وكان كل فرد فيها يحاول التقدم والتنوير يصطدم بمعتقدات خاطئة وربما يكفّرونه أو يقتلونه... أمّة عانت من ويلات بعض حكّامها واستبدادهم وعانت ممّن يحكم باسم الدّين وعانت من جهل بعض أفرادها علميا وأخلاقيا وكم حذّرنا الله من الجاهلين بمفهومهم الواسع في القرآن الكريم... أمّة أخذت العبادات الشكلية وتركت جوهر الدين وهو الأخلاق وحسن المعاملة وتعمير الأرض والصدق مع الله ومع الناس ومحلّ كل ذلك القلب... فالإيمان الصادق والعمل الصالح يغيبان كثيرا رغم كثرة المصلّين والحجّاج والمتحجّبات والملتحين ولكن ماذا نفعل بحاج يأكل أموال الناس بالإثم وماذا نفعل بمصلّين عنيفين ظالمين ؟ انتشرت فينا الغلظة والمؤامرات ولم نعد كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى كما في الحديث الصّحيح... ضاع العلم وأصبحت الشهادات والمناصب تُستلَم بالمحاباة والعلاقات والدروس الخصوصية وأصبحت أمّة اقرأ لا تقرأ ودور النّشر معطّلة والكتّاب الصّادقون في كساد، والحركة الأدبية في فساد... أين نحن في الأعياد والعائلات ؟ هل علمتم الأرقام المفزعة حول الطّلاق والعنوسة والعنف والمخدّرات والانتحارات ؟ أحصّنتم الشّباب أم ميّعتموهم ؟ الثقافة ناقصة وشبه منعدمة إلا من التهريج... غناؤنا اقترب من الفلكلور وبرامجنا لامست الرداءة ومسلسلاتنا في الحضيض... أصبحنا نتحسّر كل يوم ليس على زمن الصحابة أو العصور الأولى بل حتى على 20 أو 30 سنة خلت لِمَا تدهورت إليه أوضاعنا المتدهورة أصلا ولكن على الأقل كانت لنا أوطان وأمان ونظام... نتحسّر على الطفولة البريئة ومحبّة الناس لبعضهم وزمن البساطة والبعد عن الغدر والاضطرابات النفسية والضغوطات... أصبحنا أمّة مادّيّة تحبّ السّيّارات والقصور الفاخرة التي نبني حولها أسوارا عالية ونضع حولها 6 كاميراوات حتى في المنازل العادية... كل يوم مباريات وهوس بالرياضة أكثر من المخدّرات ورحلات وخرجات وسهريات وبذخ وترف وتبذير في المال والطعام والمطاعم والنزل والمقاهي، بينما ضاعت الجلسات العائلية والعلاقات الأسرية... كيف نتقدّم والأب يضر ابنه والعم يأكل أموال أولاد أخيه والخالة تمكر والأبناء يتمرّدون والتلميذ لا يحترم أستاذه والأستاذ يخدع تلميذه والإداري عندنا فاسد ماديا وأخلاقيا نسي أن المسؤولية تكليف لا تشريف وأمانة في عنقه ويجب ألّا يضيع حاجات النّاس ومظالمهم وهو لا يكتفي بالمتفرّج بل يزيد الطّين بلّة... انتشر فينا الغش والاحتكار والمضاربة في الأسعار، وعمّنا الظلم وأصبح النقابي والمحامي نقمة عوض أن يكون نعمة ومحاكمنا معطّلة وقضاتنا حتى لو كانوا صادقين فإنهم يعملون بقوانين للحق مكبّلة... ماذا ننتظر وميزانية البحث العلمي عند اليهود أكبر من ميزانيات الدول العربية مجتمعة في هذا الميدان كما قال الأديب عبد القادر بن الحاج نصر في أحد حواراته... ماذا ننتظر من أمّة فقدت إرادتها وانتشرت فيها خيانة الأوطان وأمّة تعشق الحديث النظري والصراخ ورفع أعلام فلسطين في حين أنّ الواحد منهم لا يقدر على غرس شجرة أو حسن التعامل مع جاره أو أخيه أو زميله... أين نحن من جدّيّة اليابانيّين وثقافة الأوروبيين وتضامنهم مع بعضهم في الحق أو الباطل ؟ نحن نطعن بعضنا ونخون بعضنا... أين تذهب أموال الحجّ والأضاحي والبترول والملايين من الفقراء والمعطلين عن العمل في تزايد ؟... قتل فينا بعض العربان الأمل والرغبة في الحياة والعمل، إذ يجب أن نكون كسالى وحمقى ومتخاذلين ظالمين وعن مبادئنا متخلّين حتى نعيش ببلادتنا مسرورين... ويل لكل مجتهد صادق أو حتى شبه مجتهد يحاول أن ينجح قليلا... أمّة عمّتها الشعوذة والدّجل والخصومات واللّغو والثرثرة... نساؤها ورجالها وأطفالها يبحثون كثيرا عن كل متعة وشهوة... شكواهم كثيرة وصبرهم وإنتاجهم قليل، ويتذمّرون من أبسط عمل فلا يصبرون عليه ولا يتقنونه... الإمام القرضاوي نفسه تساءل كيف ننتصر على اليهود والصهاينة وهم يتعصّبون للتوراة المحرّفة بينما نحن المسلمون لا ننتصر لمبادئ القرآن العظيم ؟ 

لن نقول أبدا إن المسلمين كلهم ضالون وجاهلون ولكن نقول إنّ ذلك عمّ كثيرا من الأمّة التي لم نلاحظ منها بوادر تحرّك وتغيير ولو بسيط ولو داخل العائلات المصغّرة ببادرة، بعلم نافع بعيدا عن الفخفخة والشهادات الفخرية، بأخلاق أفضل، وبعمل حثيث دون كسل أو تخاذل... بحبّ النّاس وصدق النّيّات ووضع ذلك في أعمالنا، كلٌّ من جهته قد يتغيّر الواقع يوما... فلسطين ضحيّتنا جميعا ونحن الكاذبون حين ندّعي حبّها لأنّ أغلب أفعالنا تخذلها وإن كنتَ تدري فتلك مصيبة وإن كنتَ لا تدري فالمصيبة أعظم... متى ننزع الكبرياء والغلظة والعناد والغشاوة ونتواضع وتلين قلوبنا وتطهر ونحاول الإصلاح ؟ كثيرا ما عاشت هذه الأمّة في أوهام الخطابة والتهديدات والأحلام الوردية والاعتقادات أنّها وحدها المحبوبة من الله مهما فعلت والآخرون ظالمون مغضوب عليهم من الله مهما فعلوا... 

ونختم بمقولتين قد تلخصان كل شيء : الأولى لمحمّد عبده حين قال سنة 1881 في مؤتمر باريس : "ذهبتُ إلى الغرب فوجدتُ إسلاما ولم أجد مسلمين، ولمّا عدتُ إلى الشّرق، وجدتُ مسلمين ولكنني لم أجد إسلاما"، والثانية لابن تيمية حين قال : "إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة"... الغرب ليسوا مثاليين ولكنهم في ما بينهم وفي مجتمعاتهم أقل تآمرا وغدرا وظلما وأكثر نظاما ونظافة بصفة عامّة... أنا لا أتحدّث عمّا يفعلونه مع فلسطين الحبيبة أو مع الأجانب ولكن أتحدّث عن نظامهم ومعاملاتهم الداخلية ونمط حياتهم... ومع ذلك فقد بدأ انحدارهم في السنوات الأخيرة لأنهم هم أيضا فقدوا كثيرا من قيمهم كالعلم والعدل والصدق، ولاحظنا ذلك في فرنسا وإنقلترا وغيرهما من البلدان التي فقدت مصداقيتها كثيرا، طبعا مازال لديهم رصيد مقارنة بنا ولكنه بدأ أيضا ينفد... ولكل الأمم نقول : لعل الله غاضب على الجميع -مع اختلاف الدرجات- رغم أنّ الجميع متكبّر وراض عن نفسه !!! وتبقى الأمّة العربية هي الأغرق في الظلمات والأكثر جمودا وتقهقرا على الأقل في العصر الحالي رغم أنّ إمكاناتها المادية وتراثها الفكري كان يمكن أن يصنعا مجدها بالإضافة إلى شيء من الجدّ والعزيمة والصبر وحسن الخلق ولكن أهلها في غفلة نائمون فمتى يستيقظون ؟      
  

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة