غريب ما يحصل في أغلب قنواتنا حتى لا نقول كلها، فباستثناء بعض المحاولات المحتشمة من هنا وهناك، تبقى برامج الأطفال الغائب الأكبر عنها... ربّما لم تعد هذه الفئة المهمّة من اهتماماتها، بل إنّ الثّقافة والتعليم وبناء إنسان سويّ لم يعد من أهدافها الأساسية... لعلّ الأهداف مادّيّة بالأساس، ولهذا كثرت حصص التهريج والإثارة والبوز والنقاشات الرياضة الساخنة والعقيمة أحيانا والموسيقى والمسلسلات الرديئة وتحولت التلفزيونات خاصة إلى سوق ودلّال حيث تخصّص ساعات وساعات لعرض منتوجات وسلع وعروض لعل بعضها وهمي ولكنه إغراء للمستهلك وبحث عن ماله بحق ودون حق... كما كثرت الإعادات وبطلتها الوطنيتان اللتان على الأرشيف والذكريات الحلوة تتحسّران، ويبدو أنهما في تلك الأزمان متوقّفتان، إلى حين يحدث تغيير من الإنسان، أو يقضي في أمرهما الرّحمان...
ولعلّنا نتحسّر كلنا على الصور المتحركة الجميلة في صورها والهادفة في محتواها... المؤسف أنّ ألوانها وقصصها وسيناريوهاتها أصبحت رديئة هذا إن وُجدت أساسا... ولعلنا نتذكر ماضيا جميلا تطالعنا فيه أعمال نحبّها بدءا من موسيقاها على غرار "عهد الأصدقاء" و"نوّار" و"لحن الحياة" و"موكا وموكا" و"جزيرة الشطار" و"ماروكو"... أما في تونس فلطالما استمتعنا ب"بيشة وفرهود" و"ضيعة محروس" وخاصة "كان يا مكان" مع رشيد قارة و"في كل بيت كتاب" مع عبد الجبّار الشّريف... ولعلّ هذا الرّجل هو الوحيد الصّامد حاليّا بين القدامى الخبيرين حتى يقدّم أطباقا دسمة وطيبة لمشاهديه... ورغم أنه في محيط يشجع على الكسل والتواكل بل يحاسب فيه الصادق كثيرا، ورغم أنّ برامج الأطفال لا تستهوي الباحثين عن الشهرة والسهولة، ورغم بلوغه التقاعد الوظيفي، تراه نشطا يستيقظ فجر كل صباح ليلتهم عناوين الصحف أو يبحث عن آخر الإصدارات ليقدّمها للمشاهدين في دقائق، بالإضافة إلى إنتاجه لأكثر من جزء من برنامج "مكتبتي الصغيرة" الذي هو امتداد روحي لبرنامجه الحلو الممتع "في كل بيت كتاب"... نشاهد في هذا البرنامج قصصا هادفة أو تقديما للكتب الموجهة للأطفال أو أغان هادفة أو وثائقيات تعليمية أو ومضات تحسيسية في شكل أشرطة قصيرة أو صورا متحركة... ولعل أجمل فتراته تلك التي نشاهد فيها ونشتم منها عبقا من رائحة الماضي مع أرنوب وتمساح وخاصة كافور وقرّود وصغرون وصغرونة... يجتهد الأستاذ الجميل في مظهره وهيبته وصوته وأخلاقه في تقديم الجديد دائما، وحتى إن أعاد فهو يركّب بعض اللقطات من الأرشيف وبذلك فهو ليس من أحباء اللقمة السائغة... برنامجه يجعلنا نحسّ أنّنا مازلنا قليلا في الزمن الجميل... زمن نرجع فيه من الدراسة فنروّح عن أنفسنا قليلا ونعدّ واجباتنا المدرسية ثمّ نشاهد برامج الأطفال ونتعشّى وننام... وكم كانت الحياة أجمل وأبسط ! لا أقول إن كل البرنامج خال من النقائص، إذ دائما ما أرجّح عليه "في كل بيت كتاب" أو "تصبحون على الخير يا أصدقاء"، ولكنه يقترب منهما كثيرا... ولعل بعض النقائص فنية وتقنية على غرار "الجينيريك" أو نقص في الدّمى المتحركة أو الصور الجميلة التي كان يزيّن بها أعيننا الفنّان المنصف الكاتب... ويبقى استمرار هذه النوعية من البرامج هامّا جدّا لناشئتنا التي غرقت في العنف والتفاهة والمادية والدروس الخصوصية حتى أفسدوا أذواقها وأحاسيسها وأخلاقها كما أفسدوا أخلاق الأغلبية في هذا العصر المادي المتحجّر البليد...
شكرا للأستاذ النظيف والراقي والجميل عبد الجبّار الشّريف الذي كثيرا ما يتحسّر على حال البلاد والعباد والثقافة والأخلاق ويحاول أن يخدم وطنه بكل جهده ويتألّم مثلنا ومثل من مازال يحسّ من أولئك الظالمين الفاسدين المتنفّذين الطّاغين الانتهازيّين الجاهلين... ونرجو أن نعيد لتونس وللعالم وللإنسان بصفة عامّة رشده في عصر الظّلمات العلمية والروحية...

تعليقات
إرسال تعليق