الرّئيس الفرنسي جاك شيراك له جاذبية كاريزم وسحر خاص... يتكلّم بتلقائيّة مع الجمهور وكأنّه في منزله ويتصرّف بعفويّة وكأنّه من عامّة النّاس... ولعلّ كسره للصورة النمطية و"البرستيج" جعله مادة دسمة للقلابس وجعله طريفا دون أن يكون "كراكوزا"... إنه أكثر تواضعا من بعض المسؤولين الصغار عندنا... يمكن اعتباره آخر رئيس فرنسي وفي لمبادئ الثورة الفرنسية ولجمهورية شارل ديغول ولفرنسا الصديقة.. كلنا يتذكر معارضته الشرسة للحرب ضد العراق في 2003 وغضبه وصراخه على إسرائيلي منع فلسطينيين من مصافحته وهدّده بالرّحيل ثمّ صافح العرب في النهاية... كان صديقا لعديد الحكّام العرب لعلمه أنّ أمان الأوطان وتوازن الاقتصاد والعدالة الاجتماعية هي من أهم مقومات كرامة الإنسان وقد صرّح بذلك في زيارة له إلى تونس في عهد بن علي... فرنسا لم تدخل في عهده في حروب دامية وتخلع أنظمة لتركّز أخرى موالية بدعوى الديمقراطية كما حصل في العراق والخريف العربي، ولم تحصل في عهده فظاعات كما حصل مع هولاند وماكرون الدّاخل في حرب أوكرانيا بمآرب خسيسة أو ساركوزي المتّهم بقتل القذّافي وغزو ليبيا والمتدخّل في شؤون البلدان الأخرى بحروب ومقايضات كما هو شأن الغرب عموما..
الثقافة الفرنسية واللغة الفرنسية كانت أفضل حالا في عهده، أمّا الآن فهي في تراجع مستمرّ حتى البرامج التّعليميّة والألعاب الفكريّة وبرامج التلفزيون الهادفة... كذلك العنصرية تفاقمت وأصبح الحصول على تأشيرة أمرا صعبا حتى لأساتذة جامعيين...
الرّئيس الفرنسي جاك شيراك حافظ على الحدّ الأدنى من العلاقات الودّيّة والأخويّة والإنسانيّة بعيدا عن اليمين المتطرّف وكره الآخر وأحبّ العرب وناصر قضاياهم العادلة بالحدّ الأدنى المطلوب ولم يزعزع استقرار بلدان أخرى وحافظ على استقرار فرنسا ومبادئها النبيلة وثقافتها الراقية وكان إنسانيا ومحبوبا لمجرّد طلّته.. والثّابت أنّ فرنسا بعد شيراك تغيّرت فضاعت ثقافتها الجميلة وافتقدت تسامحها وصداقتها مع تونس ومع غيرها من البلدان ودخلت في صراعات.. في 26 سبتمبر 2019، تُوُفّي الرّئيس جاك شيراك تاركا إرثا إنسانيا جيدا وأثرا جميلا خالدا ولذلك أحببناه وأحببنا زمانه.
كُتب المقال في 26 مارس 2024

تعليقات
إرسال تعليق