يزخر مجتمعنا بأمراض روحانية عديدة من أهمّها التّكبّر والتّجبّر والتّطاوس على الغير... هناك أنانية مفرطة وغرور مقيت في الكلمات والحركات والسّكنات... تكبّر ليس مخفيّا أو لاشعوريّا ولكن يصدر عن صاحبه عن سابق ترصّد... يحقّ للإنسان أن يفتخر بنفسه وأن يحبّها وأن يعرض بعض إنجازاته وأن يثق بنفسه وأن يحقّق ذاته... ومن حقّه على الآخرين أن يشكروه ويساندوه ويشجّعوه وعلى المزيد من الخير يحفّزوه... ولكن يجب ألّا يصبح الأمر تمجيدا بسبب ودون سبب... التّمجيد مرفوض حتى في حق الأنبياء والعظماء والصالحين والملوك والعلماء فما بالك بالأناس العاديين... أصبح همّ الأغلبية التحدث عن فتوحاتهم وإنجازاتهم ومناقبهم وبطولاتهم.. وفي ذلك يختلط الوهم بالحقيقة والواقع بالخرافة... حتى إن الواحد منهم لَيحتكر الكلمة ويحكي لك عمّا كان ولم يكن في خرافة منمّقة مزيّنة...
كل من له منصب لخدمة الناس أصبح يستعمل نفوذه لتقريب أصحابه وإبعاد المغضوب عليهم.. بل وإرهاب من لا يرضى عنه... والحقيقة يكتبها المتنفّذون، ويصدّقها المنافقون المتملّقون الذين هم منهم متقرّبون والمسؤول وإخوانه عن الحق معرضون... فكيف بالمواطن أمام إداريّ كان نقمة عوض أن يكون نعمة واستعمل نعمة الله عليه لإرهاب الناس وظلمهم عوض خدمتهم وخدمة الوطن... فكيف بالمواطن والمسؤولون اللامسؤولون هم الحكم والخصم ؟... ضاع الوطن مع بعض المسؤولين والإداريين والنقابيين ومع الذين هم باسم الدين متحدّثون وفي ألفاظهم متشدّقون ومع بعض السياسيين الذين هم للناس مخادعون وكل من هم على البلاد والعباد متآمرون وفي عملهم وتفانيهم وإخلاصهم مقصّرون... وهم كاذبون ظالمون... لا نعمّم أبدا ولكننا نتحدّث عن هذه النوعية من البشر التي كثرت.. وهي لا تخصّ بالضرورة أناسا لهم مناصب وجاه وحسب ونسب وقدرات ومهارات بل تتعدّاها إلى محدودي الكفاءات والضعفاء والفقراء أخلاقيا وماديا.. بل إنّ هؤلاء ربما يكونون أكثر تكبّرا لأنّ المميّز حقا والواثق من نفسه لا يتكبّر... وقد لا يتكبّر الواحد على من هو دونه بل إنّه كثيرا ما يتكبّر على من هو أفضل منه وتلك هي العقد...
والكبر والتّكبّر ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية بمعنى العناد وغمط الحق والإعراض عنه مهما ظهر جليّا... وهو بطر الناس وظلمهم واحتقارهم وليس حب الثوب الحسن والنعل الحسن كما جاء عن مسلم في الحديث الصحيح الذي توعّد فيه رسول الإسلام من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر بعدم دخول الجنة... ألم تسمعوا بمتنفّذ يتوعّد الناس قائلا : "والله لا تراها"، "لو كان تطلع لربك وليس للوزير"، "لا أحد له كلام معي حتى المسؤول الفلاني"، "ما عندك ما تعملي"، "إن كنا فعلنا سوءا فليعاقبنا الله إذًا"، "تو تشوف آش نعملك"، "إلا ما نحطمك ونمحيك ونقضي عليك"، "إلا ما نبعثك لوراء الشمس"، "نجم نعمل فيك اللي نحب"، "هذا ايه وهذا لا، هذا متاعنا وهذا ما نحبوهش"، "ما نخليكش توصل"،.... أليس هذا الكلام من قبيل "أنا أحيي وأميت"... أكيد أن كل واحد منّا سمع بعض هذه الألفاظ أو كلها في حياته...
اللهم إني أُشهدكَ وأُشهد جميع خلقك أنّ إبليس وفرعون والنمرود وكل طغاة العالم القديم قد عجزوا أمام مكر هذه النوعية الجديدة من مخادعي القرن الحادي والعشرين والذين تفوقوا في ظلمهم عن أسلافهم في القرون الأولى والوسطى... وهم أخطر منهم لأنهم في عصر الحرية والكرامة بينما يفعلون مثل القدامى أو أكثر... كم ظلموا الناس وتكبّروا باسم الشيطان وهو من أفاعيلهم وحيلهم بريء وهو عاجز عن أن يأتي بخبثهم ودناءتهم، وهو واضح وهم متخفّون وهم الخطيرون حقا... عباد مثلنا مثلهم يتحكمون بمصائر الناس وبرقابهم ويعيثون في الأرض فسادا ويفرحون لأنّ الزّمن معهم والتوفيق حليفهم حتى الآن... وهم ليسوا بأذكياء ولا أقوياء بل أعجبتهم كثرتهم والكثرة تغلب الشجاعة وحجّتهم القذرة أنهم الأغلبية فلا يمكن أن يكونوا مخطئين... والله لو رأوا النار أمامهم لما اتعظوا وهم لا يرجعون عن رأيهم بل لا يعتقدون لحظة أنهم مخطئون بل من الضعف عندهم لو أنهم لأنفسهم محاسبون... يظنون أنهم هم وحدهم للحقيقة مالكون... وهذا الداء لم يسلم منه أغلب الناس ولا أي أمّة لا اليهود ولا النصارى ولا المسلمون... جميعهم يعتقد أنه مصلح والبقية مفسدون... والكل يحارب الكل مع تبادل الأدوار بين ظالم ومظلوم... ولا توجد أرضية تفاهم في الأسرة الواحدة أو الوطن الواحد والأمة الواحدة فضلا عن كل العالم... هذا هو الإنسان : يتكبّر وهو المخلوق من تراب والراجع إلى التراب... نسي أن هناك إلاها فوق الجميع... هذا المخلوق إن نجح اغترّ وإن أخطأ أصرّ... يريدون من الآخر أن يركع لهم ويظل خاضعا لهم ولأهوائهم اللامنتهية وأن يكون لهم المجد والعظمة ولا سلطان ولا مكان لأحد في حضرتهم... كأنهم ملكوا الأرض والمصير وهم لا يملكون حتى أنفسهم... كلمة واحدة منهم تمحي كل الحجج والبراهين مهما كانت واضحة وساطعة... بأقل مجهود وبهاتف أو توصية يترصدون ويمكرون ويحاربون وكل مكان في أرض الله الواسعة عليك يحرّمون وكأنهم لنا خانقون وفي أنفاسنا متحكّمون... وكأنّهم من يملك الحياة والموت والرزق والفرح والحزن... كل مجهودات الناس مهما كانت عظيمة تُحطّم في لحظة واحدة وبكلمة واحدة وحركة واحدة وإشاعة واحدة وأمر واحد ينتشر بين الأشرار كالنار في الهشيم...
اللهم إنّ خصومتهم ليس مع الذين ظلموهم ولكن معك أنتَ فابطش بهم قبل أن يصبح ادّعاؤهم للألوهية فتنة لعبادك الصالحين الذين رأوا توفيقهم رغم تحدّيهم لله وأنّ كل من يصطفّ معهم يُوفّق كرّات مديدة وسنين عديدة... حَسْبُنَا ما أصابنا وقريبا سيزعزعون إيماننا ولكننا مازلنا وسنبقى نؤمن بقدرتك عليهم وبأنك تستدرجهم من حيث لا يعلمون وأنت القائل في حديث قدسي أخرجه أحمد وأبو داود : "الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ"... اللهم أزح عنا غمّة المتألهين وانتقم لنفسك إنّك قد تغفر كل شيء إلا أن يُشرك بك...

تعليقات
إرسال تعليق