من أهم ما قال بورقيبة والمزالي حول العمل

 


شدّتني كلمات مؤثرة حول قيمة الوطن والعمل سنة 1985 وجعلتني أتحسّر على الحال التّعيس الذي وصلنا إليه اليوم... فقد قال الزعيم الحبيب بورقيبة : "بعد الاستقلال، نحن في معركة كرامة، والكرامة في الحقيقة ليست موجودة في شعب أغلبيته الساحقة جائعة أو محتاجة أو جاهلة أو مرهقة بالأمراض والآفات، حتى استقلاله يصبح صوريا ووهميا ويبقى دائما وأبدا في تبعيّة للغير وتحت رحمته مثل الإنسان الفقير الذي يتسول للغني كي يعيش... ومن هنا أردنا رفع مستوى البشر وأول شرط لذلك عندما نسدد له حاجاته البدائية مثل لقمة العيش لناس جائعة عارية، في ظل وجودها لا يمكن أن نتحدّث عن حرية أو كرامة أو دولة... ومن هنا جاء التخطيط والإصلاح بمعنى التصرف في الواقع المعيش من بشر أو أرض أو حيوان حتى تزداد الخيرات وتتوزع توزيعا عادلا..." 

خطاب يبين أن بناء الوطن يبدأ من بناء الإنسان وإصلاح ذاته وتطويرها وتحفيزه على الإنتاج والإبداع... ففاقد الشيء لا يعطيه وإذا أردتَ تحطيم أمّة حطّم أفرادها عبر زرع اليأس والكآبة والعُقد والجهل والحمق أو الكسل والميوعة وقلّة الإحساس والتّطرّف والعنف والفساد المالي والأخلاقي والانحرافات بجميع أشكالها... وفي ذلك يقول الوزير الخبير محمّد المزالي : "التصدير هو أكبر التحديات التي تواجه البلاد باعتباره قضية حيوية ومصيرية لتونس حاضرا ومستقبلا، فعليه يتوقف نمو البلاد وازدهار اقتصادها وتأمين أسباب النجاح للمؤسسات القائمة حاليا وتوفير شروط بعث مؤسسات وصناعات جديدة لخلق مواطن شغل للشباب.... وتحقيق أسباب النمو ممكن ويسير إذا عملنا على قواعد أساسية من بينها دعم السلم الاجتماعي والحرص على أن تسود العلاقات بين كل الأطراف المحبة والتكافل وروح التضامن والتعاون لما فيه خير الجميع، والتونسي بفضل ما جُبل عليه من رحابة صدر وسماحة خُلق يتأثّر بما يلقاه من عناية ومن تفهّم، وحسن المعاملة والمعشر من شأنه أن يحسّن ظروف العمل وييسّر الحياة الاجتماعية، فكل القوى العاملة والمنتجة يجب أن تكون متضامنة في إنجاح المؤسسة.. ومن المهمّ تحسيس العمال بظروف مؤسستهم وتطورها وبما يعترضها من مصاعب ومشاكل حتى يساهموا في درء الأخطار التي تهددها، ويجب أيضا الرفع من الإنتاج وتحسين الإنتاجية المقترنة بالجودة والضغط على التكاليف مما يساهم في تحسين الطاقة الشرائية للعمال ولكافة فئات المجتمع..." 

كلام جميل، كنّا نطبّقه إلى حدّ ما في ذلك الزّمن وفي ما تلاه، ولكنّنا ومنذ الخريف العربي، تراجعنا أخلاقيا ونفسيا وفكريّا وثقافيّا ووصل وعينا إلى الحضيض وضعفت إرادتنا وهمّتنا فكانت النتيجة ملفات متراكمة وفسادا ومحسوبية وغلاء أسعار واقتصادا متهاويا والكلّ يسرق الكلّ والكلّ يمكر بالكلّ فلا نماء ولا رخاء إلا من استطاع اقتلاع الأموال بالحلال أو بالحرام -وما أكثره-، ولكن مهما ارتفع الدّخل فالبركة غائبة... 

المسألة مسألة حسن تصرّف وحسن استغلال للموارد والطاقات المادية في بلدنا وكذلك للطاقات البشرية الموهوبة الخلّاقة المهدورة وإعادة تكوين الإنسان المستقيم السّويّ والضّرب على أيدي العابثين ومعاقبة من أجرم في حقّ البلاد والعباد... إنّ مطمورة روما تمتلك ثروات مادية وإنسانية كثيرة تكفي لرخاء الوطن ولكنها مغمورة ومقموعة ومسروقة خاصة في عشرية الخراب السياسي والاجتماعي... ويبقى الأمل يحدونا في الإرادة السياسية الجادّة للرئيس الصّادق قيس سعيّد.. ويبقى الأمل يحدونا في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وفي وجود مسؤولين يخدمون الوطن بعيدا عن مصالحهم الشخصية القذرة حتى يكونوا قدوة.. ويبقى الأمل يحدونا في استيقاظ بعض فئات الشّعب من سباتها الفكري والأخلاقي... فصدق القلوب وحسن الخلق وتوفّر العزيمة والعلم والعمل والوعي هو الذي يبني الدول المتينة والحضارات العظيمة.    



كُتب في 24 مارس 2024

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة