ذكرياتي بعد 20 سنة على أحلى موسم في حياتي في الأولى ثانوي 21

 


كان موسما استثنائيّا بأتمّ معنى الكلمة... كان موسم الأحلام اللذيذة والإنجازات الفريدة والأوقات السّعيدة... كان موسما مثاليّا في أغلب الأشياء...

بدأ صعبا وقد ظنّوا أنّني سأكون في قسم متوسّط.. قسم طريف حتى في تصنيفه الحادي والعشرين... ولكنّه رقم الشّباب مع عيدهم وقناتهم... كان موسما شابّا وجميلا... جدول أوقاته منظّم ومنسوج.. كنتُ أدرس بجدّ كالعادة وكانت أحلامي كبيرة... كنتُ سعيدا مع كل الأساتذة وحتى من اختلف معي من التلاميذ لجدّيّتي عاد وصالحني بنفسه فكانت صحبة تتراوح بين المتوسط والحسن والحسن جدّا... كنتُ أحبّ كل المواد وكل الأساتذة وكل الأوقات... فإن وُجد تفاوت فهو طفيف جدّا... كنتُ أتحصل على معدّل 16 بالحصول على 16 في كل المواد، وكان غيري يتحصّل على معدّل 15 بالحصول على 20 في الرياضيات والفيزياء ولا شيء غير ذلك... وأنا سعيد بالموازنة بين كل المعارف وإن كان ذلك لم يفرحني كثيرا على الورق ولكنني حاولتُ أن أتعلّم كل شيء... كنتُ ثالث القسم مع أنني الأوّل في البلاغة والفرنسية والإنقليزية والتربية الإسلامية والمدنية والثاني في التاريخ والجغرافيا... 

أحببتُ أستاذ العربية عماد الحاج طيّب أكثر ممّا أحبّني ولكنه كان يثني عليّ وكنتُ من الفاعلين في مادّته التي أعشقها... كذلك الشّأن مع الأستاذتين ريم الطريقي في الفرنسية وشكرية الشرفي في الإنقليزية، وكنتُ قائد الفريق في العمل الجماعي ويسندون إليّ مهمّة تأطير التلاميذ ومساعدتهم... ولكم أحببتُ اعتدال الأستاذ سمير الرّباعي في الإسلامية وثقافة السّيّد جمال الزّريبي في التربية المدنية.. هذا الرجل كان جديرا بالاحترام ولكن البعض يبخس مادّته وحصّته... كان يطلب كراستي في أول الحصة ووسطها ليعرف أين وصلنا في الدّرس ولن أنسى يوم أسند لي مهمّة تدوين أعداد الامتحانات فكنتُ أمينا ولم أزد نصف نقطة لأيّ تلميذ وقد تسبّب لي ذلك في غضب بعضهم منّي... ولكم كنتُ متأثّرا بأستاذ التاريخ والجغرافيا العالم الجليل محمّد الحبيّب الجدّيّ والحازم والطيّب والعادل... كان يقول لنا إنّه دَرَسَ في معهد الهادي شاكر ورجع إليه أستاذا وسيفرح لو عاد أحد تلاميذه ليكون زميلا له ذات يوم... وقد كنتُ أحلم كثيرا أنني سأكون إعلاميا أو أستاذا وأنني سأعمل العملين معا، وكنتُ في كل ساعة من اليوم أتذكر هدفي وأعمل عليه ممّا أضفى عليّ جدّيّة استغرب منها البعض ونحن في سنّ الشّباب والطّيش عادة... وكنتُ أحلم أن أكون أستاذا مثل السيد الحبيّب بصرامته ونزاهته وعلمه ومحبّته لتلاميذه ومادّته... كنتُ أرى فيه المثل الأعلى في الرّجولة والإنسانية والعلم... ولكنّهم منعوني أن أكون حازما وعطوفا على تلاميذي لاحقا وحاولوا كسر شخصيّتي وتحطيم أحلامي... ولكم أحببتُ أستاذة الرّياضيات مليكة الزواري العطوف والمتفانية في عملها والتي تحاول تبسيط المعلومات لنا... ولكم أحببتُ مدرّس الفيزياء عبد الخالق خشارم الذي كان يكتب على السّبّورة عوض أن يملي علينا، وكان يمحوها ليعيد الكتابة في الحصة اللاحقة رغم أنّ التّلاميذ كانوا في نفس المستوى ولكنه اختار المشقة والضمير... وكان حريصا جدّا على الفرنسية... أحببتُ الفيزياء والكيمياء في أوّل عام لي معها وكان حازما جدّا في الأعداد ولكنّه عادل.. أحرزتُ على 17 في أول فرض وظللتُ في ذلك المستوى حتى الباكالوريا... كلّفني بإصلاح الفرض الأخير في السنة على السبورة لكل القسم... ولا أنسى السيدين محسن المنجّة وعبد الكريم العزابو اللذين أحبّاني وقدّراني رغم صرامتهما وصعوبة إرضائهما ولكنّني نجحتُ في نسج علاقة محترمة معهما... وكان ختام كل ذلك مسكا مع أستاذ الرّياضة رضا العروسي الذي كان طيّبا وضحوكا وكانت حصّته ممتعة نمارس فيها رياضتنا المفضلة بعد إنهاء البرنامج الرّسمي وكثيرا ما كان يلعب معنا ويمازحنا ونحكي معه بمودّة ولطف... وكم كنتُ سعيدا مع حارس ملعب الرياضة الذي كنتُ أحضر دروسي بجانبه لأنه لم يكن يُسمح لنا بالجلوس في القاعات خارج أوقات الدرس.. وكم كانت علاقتي طيّبة مع القيّم العامّ محمّد قاسم الذي لم أر منه شرّا رغم حزمه الذي يخيف بعض التلاميذ... وكذلك كان الشأن مع كل القيّمين والناظر فتحي المسدّي والمدير محمود دمّق الذي كرّمني في أوّل عام لي وحتى سنة الباكالوريا حين تسلّمتُ جوائزي ولا أنسى كذلك أمين المكتبة السيد الحبيب... 

ما أجمل تلك الأيّام... إنّها من رائحة الجِنان... إنّها أجمل ما عشتُ في حياتي... لم أر خيرا منها قبلها ولا بعدها... أقول هذا وقد تحقّقت أحلامي نظريّا... ولكنّني اصطدمتُ بمن يحاول كسر شخصيتي وتشويه سمعتي والإطاحة بقدري ونزع هيبتي وتدمير طموحاتي... انتهى ذلك الموسم بأغنية جميلة للفنّان ملحم زين بعنوان "إنت مشيتي" يتحسّر فيها على حبيبته البعيدة والمسجونة والتي يراها كالسراب... كذلك كان ذلك العصر بالنسبة إليّ... ومن سخرية القدر أنّ تلك الأغنية كانت تُبثّ لنا نحن معشر التلاميذ أثناء الراحات في المعهد.. 

اللهم أحيني طول عمري كما كنتُ في الأولى ثانوي 21... أؤكد أنني لم أكن أمشي على الحرير ولكنني كنت أمام صعوبات الحياة راضيا ومتحديا وكان معي أناس منصفون بصفة عامة فإن جُرحتُ أُجْبَرُ وإن أخطأتُ أُصْلِحُ... كنتُ سعيدا بمباراة وحيدة في الدوري الإنقليزي مع مصطفى الآغا وبالدّوري الإسباني على الجزيرة الرياضية... كما سعدنا بتتويج تونس بكأس إفريقيا 2004...

وبالجملة، من أراد معرفة سامي النيفر يمكن له السؤال عن الأولى ثانوي 21... أيامها كانت صفاقس حتما متألّقة نظريا وتطبيقيا وكانت حقّا الأولى في العلم وكانت الناس تحبّ بعضها ولا تمكر ببعضها... كل جهادي ومجاهدتي ومجهوداتي أرادوا تحطيمها بعد أن وصلتُ وحقّقتُ أحلامي وظننتُ أنّ قدري سيعلو أستاذا وكاتبا وإعلاميّا... ومن عجائب الزّمن أن كنتُ أكبر قدرا تلميذا رغم أنّ علمي وشخصيتي كانا أقلّ مرتبة ممّا هما عليه الآن... لن ينجحوا في إفساد ما بنيتُه بدمي وعرقي... إنّه تاريخ جميل في كل موسم وخاصة في موسم الأحلام ورائحة الجِنان الأولى ثانوي... والتّاريخ يمكن تحريفه وتشويهه وتزويره في وقت من الأوقات ولكن في النهاية، لا يبقى إلا الحقّ منه أو الأقرب إلى الحقيقة على الأقلّ... 

ما أجملك أيّتها الأولى ثانوي 21... والله لو كنتِ أنتِ وسنوات التسعينيات امرأة لتزوجتكِ... كل الوفاء منّي لذلك العهد ولكل القيم النبيلة التي تربّيتُ عليها وأحسنت أمّي في تربيتي عليها... وقد يغدر الزّمن وتُقلب الحقائق ولكن ذلك مؤقّت والحقّ يعلو ولا يعلى عليه... قد يُخدع الناس فترة من الزمن ولكن ليس طول الزمن... علّمتُ تلاميذي الذين لم أستطع أن أكون معهم بكامل حزمي وعطفي أنّ للباطل جولة وللحق جولات... وكنتُ وفيّا للطفل الصغير كما للشّيخ الكبير ولكل قيمة ولكل خير في هذا العالم... ولهذا أردتُ أن أكتب لمحة سريعة عن موسم الخير والبركة والرّضا الأولى ثانوي 21 والذي انتهى آخر يوم منه بالضبط قبل 20 سنة من الآن يوم الخميس 27 ماي 2004.. سلام على الأولى ثانوي 21 وعلى كل القيم النبيلة التي ضاعت اليوم في مدينة كانت مثالية وانقلبت على نفسها وظلمت نفسها بعد ذلك.    

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة