صفاقس تعيش أزمة أخلاقية حادّة

 


صفاقس مدينة العلم والأخلاق... هذا المتعارف عليه قبل أن تنقلب القيم والمفاهيم وتحلّ محلّها المادّيّة والأنانيّة والعنف المادي والمعنوي.. في صفاقس كنّا نترك أبواب البساتين والمنازل مفتوحة ولا نتعرّض للسّرقة، أمّا اليوم فأكثر من 4 كاميراوات وباب حديدي وأسوار عالية فوقها زجاج مكسّر ولا نسلم من شيء... أنا وبعدي الطّوفان... النّجاح الدّراسي نظري فقط... وحتى هذا إن لم يكن بالغش والمحاباة من الابتدائي حتى الكلية بالزيادة في الأعداد أو التساهل في الامتحانات أو تمريرها في الدّروس الخصوصية أو عبر مقابل مادّي حيث يباع النّجاح بالجملة يعني "بالياطاش" مثل رخصة السّياقة... بل إنّ بعض مجالس الأقسام يستبدّ فيها أفراد ويفعلون ما يريدون هم... وكذلك تُمنح الشهادات وتُباع رسائل ختم الدّروس إذ نأتي بعمل سابق ننزع غلافه وقد نغيّر فيه جملا ثمّ يصبح عملنا... والتدخلات أكثر ممّا ذكرنا وأعدّ من أن تُحصى...
بقي لنا أن نسأل لماذا صفاقس الأولى في الاحتكار وغلاء الأسعار وفي عدد المقاهي والحرقة وحوادث المرور والتشدّد الدّيني والرّشوة ؟ هل تعلمون ما يحدث بين أروقة المحاكم وكيف تُزوّر القضايا ويُتلاعب بالملفّات فيبرَّأ مجرم ويُتّهم بريء ؟ صفاقس الأولى في التلوث البيئي وفي الكورونا ولها مشاكل صحية كبيرة... في صفاقس، أصبحت هناك سياسة عامّة : "نفسي نفسي لا ترحم من مات"، وصدر الواحد ضيّق عن أن يستقبل أخاه أو جاره أو صاحبه مرّتين متتاليتين فهذا كثير وهذا مضيعة للوقت في مدينة العلماء الأفاضل ! نظريا فقط ! صفاقس الأغلى حتى الأكلات الشعبية من فريكاساي وكسكروت وما شابه... ففي المرسى وحي النصر والحمامات الأسعار أرخص... بل إنّ صفاقس الأولى في الأشغال و"المرمّات" هي الأغلى ثمنا في أسعار الكراء وقضاء ليلة في بنزرت أو توزر أو عين دراهم أرخص من نزل بسيط بنجمتين في صفاقس ! في صفاقس هناك غلظة وعنف وسوء معاملة وهناك ظلم وفخر وكبرياء... اتحاد الشغل والجمعيات تزيّن المشهد ولا تخدم غير مصالحها إلا من رحم ربّك... النقابة الجهوية دائمة الصراع مع المركز، وخاصة في المجال التربوي، فالإخوة المنتسبون ظلما إلى اتحاد حشّاد العريق يحكمون بأحكامهم فيدافعون عن موظّف خائن ويشوّهون سمعة آخر مغضوب عليه... لماذا انتشرت فينا الغلظة والعنف والكراهية ومحاربة الناجحين ؟ حتى الثقافة بالأكتاف... أحدهم يستغلّ منصبه ليأخذ صورا كل يوم ويُقدّم كتابه كل أسبوع، بينما بعض المثقّفين فعلا يعيشون على الهامش... تظاهرات فلكلورية تهريجية مفرغة من محتواها مع احترامنا لكل المبادرات الصادقة التي لا ننكرها ولكنها أقلّ القليل في دنيا الهرج والمرج... وهو القتل في أحد أحاديث رسول الرّحمة... والقتل في مدينتي إن لم يكن مادّيّا فهو معنوي "بالعرق بالعرق" مع نفي كل مسؤولية للمجرمين المتحالفين مع بعضهم لتدمير كل نفس تنويري وإصلاحي أو حتى محاولة بسيطة للتقدم والنهوض بالولاية ومن ثمّ الوطن... صفاقس من الأوائل إن لم تكن الأولى وطنيا في التلوث البيئي... مواطنون بنوا قصورا شاهقة وعمارات ومشاريع تجارية وربحية في مدينة الاسمنت والاسفلت وأهملوا البساتين والحدائق.. فالزيتون كثير منه هلك... وقبله اللوز المشهورة به مدينتنا العزيزة حيث كان هناك موسم صيفي قارّ لجمعه وتقشيره ثمّ تحويله للصناعات المختلفة فكنت ترى قشور اللوز تغطي أغلب الزّنق التي زادت حالتها سوءا عمّا كانت عليه قبل 30 عاما حين كانت ترابا أملس دون حجارة وحفر تثقب العجلات والفضل للإهمال والمرمّات... ويال الويلات ! لا فلاحة ولا حدائق ولا غراسة أشجار جديدة بل قلوب مالحة ملأها حبّ المال والنّفس و"أنا وبعدي الطّوفان"... ولكنّنا لا نحلم إلا ببضع قطرات من الأمطار تأتينا أحيانا ترابية وتزورنا كل سنة مرتين أو ثلاث والحق يقال ! نحن أسوأ حالا من المناخ الصحراوي الذي تصل فيه كمية التساقطات حتى 50 مم سنويا ! ولم الاهتمام وإضاعة الأوقات بهذه المسائل التافهة ! الأسعار من نار والسكر والأرز والحليب والشاي وغيرها في احتكار... صحيح أنّ هذه المشاكل موجودة في كل الولايات ولكنها في صفاقس أكثر من غيرها والحديث عن تجربة ! تحدّثنا عن الكبرياء والغلّ والغلظة المعشّشة في القلوب الخاربة وهذا لم يكن من طبع الصفاقسي الأصيل ولكن المدنية والزمن والمصالح فعلت فعلها بالناس ! والكبر نوعان : الفخر على الناس وغمط الحق والإصرار على الخطإ، فالمخطئ لا يعتقد أنه على خطإ بل يتمادى فيه... حتى الزبلة والفضلات لم نجد أين نضعها والنهضة مرت من هنا... فصفاقس أنجبت قياديين نجباء في هذه الحركة النبيلة وأنجبت "علماء" خبثاء... كانت أكوام القمامة تغطي المدينة واليوم يتمّ ردمها لا نعلم أين... حتى الوالي المعيّن للغرض فاخر الفخفاخ لم يجد حلّا مع بعض أبناء مدينته الذين عرقلوه وأرادوا عرقلة مسار 25 جويلية المحارب للفساد وقالوا له : "لا نريد زبلة الصفاقسية، بل نريد زبلة النهضاوية !" بالأمس، كانت زبلة أصحابهم غير ملوّثة، أمّا اليوم فأصبحوا مدافعين شرسين عن البيئة حتى إنهم منعوا ردم القمامة بطرائق علمية في أرض ملك للدولة بعيدة عن مركز المدينة ب60 كم ! ونفس هؤلاء لا يهتمّون بموت الأشجار والحقول الفارغة كصحراء قاحلة ! ولم يسمحوا له بأي حل ! بل إنّ كل وال يعيّن يطردونه شرّ طردة وينقلبوا عليه فجأة بعد أن يستقبلوه بالهلالو في البداية وذلك عين الوفاء... منذ متى أحبّوا واليا ولم يسبّوه، لا أعلم ! كذلك فعلوا في النادي الصفاقسي الذي استغلّه المتمعّشون والسّماسرة وعبثوا بأمواله على قلّتها.. ففي هذا الفريق العريق، طردنا أنيس بوجلبان وكريم دلهوم والناصر البدوي وحسام البدري، ولم يعجبنا أي مدرّب... بل لقد خرج الناس السنة الماضية ونادوا باسم نبيل الكوكي في مطلب شعبي، وبعد أشهر، سبّوه وطردوه وأصبح هو المشكل... 
متى نتخلّص من دور الضّحيّة ونحسّن أخلاقنا ونبتعد عن الكذب والبهتان ؟ متى نحسّن أقوالنا وأفعالنا ونطوّر من أنفسنا عوض الظلم والظلمات ورمي المسؤولية على الآخرين : الوالي سيّء، المدرّب سيّء، الحكم ظلمنا مع وديع الجريء في كل الحالات، الدّولة تتآمر علينا، وهناك مؤامرة كونية ضد صفاقس بالذات... 

أنا أعلم أنّ أغلب الصّفاقسية طيّبون في الأصل، ولكن ذلك صار من الماضي، وواقعنا الآن عكس ذلك وهو والله أمرّ ممّا وصفنا بكثير....

تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة