تساؤل ملحّ تكرّر من أغلب الناس في السنوات الأخيرة... فقد أصبح من الواضح جدا أنّ الحياة لم تعد كالسّابق، فما بالك بالأعياد ؟ لعله التطور التكنولوجي والحياة المادية العصرية والضغوط وعصر السرعة : كلها عناوين مبهرة لتطور مغشوش... فالمادية هي شهوانية وأنانية على حساب روح بريئة نقية، والتطور هو في باطنه رجوع إلى الخلف، إذ كيف تختفي ألعاب الطبيعة وتختفي الزيارات العائلية بعد أن يرسل الواحد بطاقة معايدة لآلاف الأشخاص من حاسوبه ويظنّ أنّه يهنّئهم وذلك وإن كان جيدا لكنه لا يعوض الزيارات الحميمية والاتصال المباشر في العلاقات الإنسانية... وأيّ إنسانية جرفها تيار المادة وأصبحت تلهث وراء الدينار ولا تهتم بالأفعال الصالحة والآثار ولا تسأل عن الأخبار ولم تعد من الأخيار... فقد تحجّرت القلوب وتكلّست وتبلّدت ولم تعد تحسّ بالآخرين ولا تحبّ ولا تتبادل الأكلات والهدايا ولم تعد القلوب صافية ولا النيات مخلصة لأننا خرجنا من زمن البساطة والنقاوة إلى زمن اللهث والشقاوة... فليس صخب الحياة العصرية وسرعة نسقها ميزة، وليست الضغوطات وكثرة المشاغل دليلا على أهمية الفرد ولا عذرا على تقصيره تجاه روحه المهملة ولا تجاه الآخرين... لقد أشبعنا الأجساد بالحلال والحرام وأفسدنا الأذواق والأرواح، ورغم كل البذخ فالإنسان لن يرتاح... لأنّ الراحة في ابتسامة صادقة ومودّة مخلصة وموسيقى منعشة وتفكير جميل وقلب سليم وأكلة غير مصنّعة بيولوجية ونسمة طبيعية ونظافة بيئية وروح نقية وهوايات فكرية وطبيعية بدلا من كثرة الألعاب الإلكترونية والقنوات الفضائية والهواتف الذكية وبعض المواقع الشقية... لا نعمّم حول مساوئ التكنولوجيا ونحن نحبها وهي مفيدة ولكنها أيضا مضرة فهي سلاح ذو حدّين وعلينا معرفة كيفية استعماله... كثرة المصاريف المادية والترف أفسدا الروح أيضا حتى أصبح كل شيء من بلاستيك حتى الزواج والعائلة والصداقات والحياة أصبحت تجارية... أصبح ذلك حتى في لعبة كرة القدم التي لم تعد فرجوية ومشوقة بقدر ما أصبحت تكتيكية وتجارية، وكذلك شأن الكتب الأدبية وعديد المشاريع الفكرية التي تُروّج كبضاعة تحدث الهرج والإثارة وأصبح بعض الكتّاب والنّاشرين يبحثون فقط عن المادة وسرقة جيوب المستهلك وإجمالا فالموسيقى والمسلسلات والأعمال الفنية والوسائل الإعلامية أصبحت كذلك.... لهذا ترانا نلوك ونكرّر أعمالا سابقة في العيد ورمضان وفي سائر الأيّام... أوضاعنا متعفنة سياسيا واجتماعيا من حرب غزة والعراق وسوريا وليبيا إلى فتن أصابت كل الدول العربية وحتى العالمية، ففي الغرب أيضا لديهم احتجاجات وتبدلت سياسات حتى فسدت حياة ولكن رصيدهم من القيم ومن الديمقراطية مازال ينقذهم داخل مجتمعاتهم حتى الآن... أين الاجتماعات بين العائلة والجيران والأصدقاء والدعوات والتهاني الصادقة ورائحة العيد ورمضان والمناسبات الدينية حتى قبل أيام منها وبعدها ؟ أين راحة البال والسرور والضحك من القلب ؟ ربما نذبح خرفانا بالجملة في عائلة واحدة، من يقدر ومن لا يقدر، وربما نذهب للحج كل موسم، وربما نشتري أفخم اللوازم ونأكل ونشرب وبعضهم يذهب للنزل حتى لا يتعب نفسه ولكن الفرحة من القلب الذي يستقبل ما يمنحه وهو لم يمنح كثيرا من الطيبة والنقاوة في عصرنا هذا... وللحديث بقية مع تحيتنا لمن بقي من الطيبين المخلصين الطاهرين...

تعليقات
إرسال تعليق