اسكندر السّويّح... اللّاعب الفنّان الذي لم تنصفه الكرة

من في تونس كلّها ينكر قيمة هذا اللّاعب العبقريّ... فلتة من فلتات الزمان في الكرة... موهوب بأتمّ معنى الكلمة... عاش كبيرا في عصر الكبار... عصر كانت فيه خطّة صانع ألعاب تعني دينامو الفريق ومحرّكه حين كانت الكرة فنّيّات قبل التّكتيكات والتمكميكات والتكمبينات وحين كان العطاء دون حسابات... لم يمهل الزّمن هذا اللّاعب الكبير أكثر من 10 سنوات لنستمتع بعزفه ورقصاته وإبداعاته فوق الميدان... في التّسعينيّات وبداية الألفيّة كان هناك أكثر من صانع ألعاب خاصة ماهر الكنزاري وزبيربيّة الذي قال عن اسكندر إنّه فنّان ويريد أن يمرّر له الكرة ويفسح له الحرّيّة في اللّعب ليمتع ويسرّ الجميع... اسكندر السّويّح الذي تحصّل على الدّوبلي وكأس الكنفدراليّة الإفريقيّة ومع المنتخب تحصّل على كأس إلجي وكان صاحب الهدف الوحيد لتونس في كأس العالم 98 وشارك في أكثر من كأس إفريقيا أهمّها 96 حين انهزمت تونس في النهائي أمام البلد المضيف جنوب إفريقيا... عديد الإنجازات خاصة مع النادي الصفاقسي والمنتخب ولكن هذا اللاعب الكبير أنهى مسيرته مبكّرا في سنّ 32 ومن سخرية الأقدار أن كانت آخر مباراة له بزي التّرجّي التّونسي أمام فريقه الأمّ النّادي الصّفاقسي لمّا خسر أبناء سويقة نهائي كأس تونس 2004... 
ولعلّ أكثر ما لم يغفره جمهور الأبيض والأسود تحوّل ابنه المعشوق إلى فريق خصم ولعلّ مشاكله بدأت هناك... بخلاف خول منحة التكوين ومشاكل مادية وربما شخصية لا يعلمها إلا الله ولطفي عبد النّاظر وزياد التلمساني واللّاعب نفسه ولا ندري من الضّحيّة في كلّ هذا... أكان النّادي الصّفاقسي أم التّرجّي أم اللّاعب أم المسؤولون ومن المذنب... ولكننا ندري أنّ الضّحيّة الحقيقيّة هي كرة القدم التّونسيّة وحتى العالميّة... كنتُ قابلتُه صدفة في شارع مجيدة بوليلة وكتب لي كلمة وأخذتُ معه صورة للذّكرى في 18 ماي 2001 وكنتُ أترجّاه وأنا الطّفل الصّغير ألّا يغادر النّادي الصّفاقسي ولم أكن أعلم شيئا عمّا سيجري لاحقا... ولكن لم يعبأ محبوبنا بي ولا بالجماهير وغادرنا بعد شهرين من تلك المقابلة... عديد الجماهير لم تغفر له ذلك ولعلّها في داخلها تحبّه ولكنّني أبدا ما كرهتُه رغم أنّه كسر خاطري ورغبتي قبل أيّام...  

كان متواضعا معي ومع كل الجماهير وكان حريصا على إكمال دراسته وكان هادئا وخجولا أحيانا... لم يكن لعبه عنيفا ولا شرسا بل لطالما عنّفه كثير من اللّاعبين حتى إن أحدهم قال في يبن سبورتس : "فليعذرني اسكندر السّويّح لأنني كسرتُ مناخيره"... 

ما أجمل كراته الثّابتة وما أجمل رفعه للكرة بالحرّاس وما أجمل مراوغاته وفنّيّاته وما أجمل أهدافه ومنها ذلك الذي كان ركنيّة نفّذها مباشرة في الشّباك... وإلى اليوم لم أر لاعبا ينفّذ ركنيّة في شكل تسديدة تلج المرمى... 
كم كنّا نصيح وتبحّ حناجرنا ونهتف باسمه ونقول بملء الفم : "اسكندر السّويّح يكسّر ويطيّح"... لا شكّ أنّ المرحوم حمّادي العقربي واسكندر السّويّح هما أعظم لاعبين في تاريخ النّادي الصّفاقسي وإن تبرّأ منه الفريق ولم يكرّمه مرّة واحدة ولو في حفل التسعينية سنة 2018... خسارة أنّ المخلصين والمبدعين مثل السّويّح والواعر وزبيربيّة وطارق ثابت وفوزي الرّويسي وجمال ليمام وغيرهم كثير لم يتوّجوا بكأس إفريقيا 2004 ومعهم كاسبارجاك الذي أسّس النّواة الأولى لمنتخب قويّ صحبة لاعبي الخبرة الذين اعتزلوا مبكّرا نسبيّا... وقد كان لاعبو التسعينيات أكثر عزيمة واستبسالا في الميدان وروحا رياضية ولكن تلك هي الدّنيا تعطي وتأخذ وقد يكون العبد سببا وقد يكون ضحيّة... أو كلاهما... لا ندري...

لن ننسى أبدا تلك الطينة من اللاعبين الموهوبين الذين أمتعونا بفنّيّاتهم وجمال لعبهم والذين أصبحوا نادرين في أيامنا هذه حتى في العالم بعد ميسّي ورونالدو وإلى حدّ ما مازال مبابي... كم كانت أياما جميلة في الكرة كما الدنيا... أيّام البساطة والصّدق والإخلاص والرّضا والسّلام إلى حدّ كبير....



تعليقات

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة